الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٥٣(4) الشام وفكرة التضامن السياسي:
ولا شك أن الفكرة السياسية للإسلام، أعنى الوحدة والتضامن في الجماعة الإسلامية، كان لها تأثير مضاد لتأثير النزعة القبلية، وكان الممثلون الطبيعيون للروح الإسلامية هم قريشا الذين كانوا، بحكم وضعهم القانونى فوق القبائل وخارج منافساتها. وكان القرشيون الحاكمون، أعنى بني أمية، قد اضطروا إلى أن يرموا أنفسهم فى الشام بين أحضان كلب لكي يحافظوا على سيادتهم إزاء قيس المائلين مع ابن الزبير. ولكن كانت رابطة الدم تربطهم مع ذلك بقيس
ويرى المؤرخون أن العرب فى أرض الشام والجزيرة لم يتغيروا في ظروفهم الجديدة عما كانوا عليه، من وضع القبيلة والثأر فوق كل شيء. فكانوا يؤثرون النار على العار، وكانوا لا يندمون إلا أخيرا حين لا ينفع الندم. بل هم صاروا في ظروفهم الجديدة أشد قسوة مما كانوا عليه فى الجاهلية في وطنهم القديم، فصاروا يقتلون بعضهم على نحو أوسع نطاقا وأقل مبالاة، فكانوا يبقرون بطون من يأسرونه من النساء، وهذه عادة لم تكن موجودة في جزيرة العرب بمعناها الحقيقي. بل إنه بعد أن كان القتال من أجل الخلافة قد انتهى وكان السلام قد عاد، استمر القتال الوحشى بين القبائل أمام أبواب دمشق وتحت بصر الخليفة، ومع الاستهانة بهيبته أحيانا
(5) العراق والعداوات القبلية والنزاع السياسي: وكان للعداوات القبلية موطن ثان فى الشرق الأقصى للدولة الإسلامية، ذلك أن البغض القديم بين تميم وربيعة اشتد في البصرة بسبب هجرة أزد عمان في أواخر أيام معاوية وفى أيام يزيد الأول. فتحالفت ربيعة مع الأزد، وتحالفت تميم مع قيس، وهكذا نشأت مجموعتان كبيرتان من القبائل. وفى أثناء الفترة التى اضطرب فيها أ الخلافة بعد وفاة يزيد الأول بدأ القتال في البصرة (1)، واضطر أميرها، عبيد الله بن زياد، إلى الهرب. وأراد مسعود بن عمرو، رئيس الأزد، أن يحتل منصبه، واستطاع أن يستولى على القصر وعلى المسجد بالقوة، يساعده الأزد وربيعة في ذلك. ولكن بينما هو على المنبر في المسجد إذ اقتحمت عليه تميم، فأنزلوه من على المنبر وقتلوه. وعند ذلك قامت حرب الثأر بين الأزد وتميم بسبب قتل هذا الأمير القبلى.
(1) راجع الطبرى: ج 2 ص 433 - 467.
53