الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٧

فاصلا بين نظامين سياسيين، الأول: يقوم على البيعة والاختيار وتلاحم الأمة بالخليفة، والثاني: يقوم على توارث الملك، وإقامة حواجز منيعة بينه وبين الأمة، وتنحيتها عن أن تكون فاعلة، ما لم يكن ثمة تأريخ للأفكار؟!

ثم خطر على بالى خاطر، وقف أمامي، وأخذت أقلبه فوجدته خاطرا حسنا يحتاج إلى دراسة، وهو: أن الأحداث التاريخية التي هبت على الأمة الإسلامية ترتبط ارتباطا وثيقة عراه بتاريخ أفكار الفرق السياسية والدينية، ورأيت أن تاريخ الفرق هو تاريخ للأفكار السياسية، وأن فهم مبادئ وأصول تلك الفرق لا يكون واضحا إلا إذا وضح الموقف التاريخي. فمثلا، إن غلبة بني العباس تبقى غير مفهومة ما لم تفهم خلفية تلك الفرق التي مهدت السبيل لها، وكيف تغلبت الشعوبية على نزعة الدولة العربية.

ومع ظهور الفرق السياسية التي جرت إليها قضايا دينية، بدأ فتح السبيل أمام امتزاج السياسة بالدين. وكان كلما انتصرت السياسة، انتصرت قضاياها وشدت الأفكار الدينية إليها، كقضية محنة خلق القرآن أمخلوق أم حادث؟ وكذلك كلما اعتصم الفقيه بالسياسة زاد وزنه و سادت قضاياه. وكان الموقف السياسي إذا تعرى تعلق الاهتمام أكثر بالأفكار الدينية التي اعتبرت فى حد ذاتها حقائق لها قيمتها واعتبارها، كاستقلال الأمراء السياسي من حيث الواقع وانفصالهم عن الخلافة، مع عدم البوح بالاستقلال الشرعي لإضفاء سلطة شرعية عليهم، مكتفين باستقلال فعلي لإضفاء صبغة شرعية على سلطتهم في نظر رعاياهم. وبات التأريخ للأفكار السياسية تأريخا للأفكار الدينية، وهما معا يمثلان الخلفية التاريخية للفرق والمذاهب، ومع تلك المذاهب امتزجت السياسة بالدين امتزاجا عميقا.

وكانت مشكلة مرتكبى الكبيرة هى الخلفية الفكرية والسياسية لكل الفرق. يقول محمد الطالبي: فالاعتزال الذي لا يمكن إنكار دوره المهم، نشأ عن موقف سياسي، وكذلك بالنسبة للقدر والإرجاء (1)

غير أن النزاع تكشف عن أنه ليس نزاعا بين الأسس الدينية والأسس الدنيوية للوحدة، وإنما هو نزاع بين القوى القبلية المخربة وبين الوحدة التي كان الصحابة يسعون في تحقيقها وهي وحدة معتدلة تنطوي على احترام الأسس الدينية التي تقوم عليها الجماعة. وظهر في العراق فريق عنيف فى تعصبه المذهبي وفي عدائه لقريش، وهو

(1) الدولة الأغلبية - التاريخ السياسي - الأستاذ الدكتور محمد الطالبي ترجمة: دكتور المنجي الصيادي.

V