الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٦٨معاوية لما نازعك معاوية فى ذلك. فقال: فعلت مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية حين قال له سهيل بن عمرو: لو علمت أنك رسول الله لما نازعتك، ولكن اكتب باسمك واسم أبيك. فكتب: " هذا ما صالح عليه محمد ابن عبد الله وسهيل بن عمرو ". وأخبرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لي منهم يوما مثل ذلك، فكانت قصتى فى هذا مع الأبناء قصة رسول الله عليه الصلاة والسلام مع الآباء
فقالوا له: فلم قلت للحكمين: إن كنت أهلا للخلافة فأثبتاني، فإن كنت في شك من خلافتك فغيرك بالشك فيك أولى. فقال: إنما أردت بذلك النصفة من معاوية، ولو قلت للحكمين احكما لى بالخلافة لم يرض بذلك معاوية. وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم نصارى نجران إلى المباهلة، وقال لهم: تعالوا نَدْعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (1) فأنصفهم بذلك من نفسه، ولو قال " أبتهل فأجعل لعنة الله عليكم " لم يرض النصارى بذلك. لذلك أنصفت أنا معاوية من نفسى، ولم أدر غدر عمرو بن
العاص
قالوا: فلم حكمت الحكمين في حق كان لك؟ فقال: وجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكم سعد بن معاذ في بني قريظة، ولو شاء لم يفعل. وأقمت أنا أيضا حكما، لكن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكم بالعدل و حكمي خدع حتى كان من الأمر ما كان، فهل عندكم شيء غير هذا؟
فسكت القوم، وقال أكثرهم: صدق والله. وقالوا: التوبة، واستأمن إليه منهم يومئذ ثمانية آلاف، وانفرد منهم أربعة آلاف بقتاله مع عبد الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير البجلي.
(1) من الآية 61 من سورة آل عمران، وانظر قصة وفد نصارى نجران والمباهلة في سيرة ابن هشام (318/ 1) ويقال: إن هؤلاء النصارى من الحبشة
(2) سعد بن معاذ: أبو عمرو، سيد الأوس، شهد الخندق مع رسول الله فأصابه سهم. وكانت غزوة بني قريظة عقب الخندق، وفيها نزل يهود بني قريظة على حكم سعد بعد حصار خمسة وعشرين يوما، فحكم سعد بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، فقال منهم أكثر من ستمائة، فقتل من عداهم، وقد قال رسول الله لسعد حين حكم: " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ". ثم مات سعد متأثرا بجراحه فقال رسول الله " اهتز عرش الله لموت سعد ". وفي ذلك يقول حسان بن ثابت: وما اهتز عرش الله من أجل هالك *** سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو
68