الفرق الإسلامية وحق الأمة السياسي محمد إبراهيم الفيومي

الفرق الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٧٨

في صفين. وكانوا فى البدء يتألفون من أعداد عديدة بعيدة عن التحديد الدقيق، ثم جرى فيهم مد وجزر متفاوتان. الأشعث ليس منهم، ونشأتهم تختلف اختلافا جوهريا عن نشأة جماعة مثل العباسيين أو الفاطميين. لم يكونوا يلجئون إلى المؤامرات ولا إلى تكوين الشعب المنتشرة في مختلف المواطن، ولم يسيطر على شئونهم تنظيم سرى معقد، إنما كانت لهم مبادئ مبادئ ليس فيها ما يغرى بالانضمام إليها. جرى إليهم الأنصار دون أن يسعوا هم إليهم، ولو أن أولئك الذين برزت أعمالهم كانوا فيما بعد قليلين جدا. وكان أنصارهم يتجددون باستمرار، فإن اندلعت النار في مكان شبت مثلها من جديد في مكان آخر دون أن يكون ثمة اتصال ظاهر فيما بينها، وكان التوتر قائما في كل مكان وعلى أهبة الانفجار.

الرأى الرابع: الخوارج والقراء: الموضوع المشار إليه ورد فيه خبر أن عبد الرحمن ابن أبي ليلى الفقيه هو الذي جعل برنوف يربط بين القراء ونشأة الخوارج. فلقد ورد على لسانه توجيه إلى القراء رواه عن الإمام على يشير إلى أصل الخوارج. قال: «يا معشر القراء: إن الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم. إني سمعت عليا - رفع الله درجته في الصالحين، وأثابه أحسن ثواب الشهداء والصديقين - يقول يوم لقينا أهل الشام: أيها المؤمنون: إنه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه، فقد سلم وبرئ. ومن أنكر بلسانه فقد أجر، وهو أفضل من صاحبه. ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ونور قلبه باليقين.

كذلك يرى برنوف: أن تاريخ القراء في موقف الجهاد كانوا دائما في المقدمة، يخطبون في الناس قبل المعارك ليثيروا حميتهم ويستنفر وهم للقتال. وإذا لم يكونوا رجال أفعال في المرتبة الأولى، فقد كانوا يعلمون أيضا أن خير الإيمان الجهاد بالسيف في سبيل إعلاء كلمة الله (1). وفى معركة اليمامة» كان أبرز المقاتلين هم القراء الذين يحفظون القرآن عن ظهر قلب ويتلونه. وكانوا في طليعة المحاربين في معركتي «الجمل» و «صفين»، وخصوصا في الحرب ضد الحجاج بن يوسف الثقفى. وكان أبرز ميادين نجاحهم فى الكوفة والبصرة واللواء الذى انضووا تحته وانتموا إليه هو لواء الله والقرآن وسنة رسوله والحق. أما وهذا شأن القراء، فعلى المرء كما يرى برنوف، الإقرار بإمكان أن يكون هؤلاء هم الذين نبت فيهم الخوارج. فهؤلاء الأخيرون كانوا

(1) الطبرى: ج 2 ص 1086.

78