الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٧٩قوما شديدى التقوى تنحل لهم صفات أولئك: كانوا يقرءون القرآن لا بلسانهم فحسب، بل ليتعبدوا به، ويفكرون فيه آناء الليل وأطراف النهار. وكانوا أنضاء عبادة، وأطلاح سهر، ويناقشون فى أحكامه بمهارة. ولكننا نرى فيما قدمه برنوف ما يرفض
نتائجه.
أما فيلهوزن (1)، فيرى أن من الضرورى توكيد وجود هوة، بين جماعة القراء وجماعة الخوارج من أجل أن يوزع دور السقوط ودور النهوض على فريقين مختلفين. أمن المعقول أن يكون نفس الأشخاص قد ضلوا السبيل في أول الأمر، ثم ثابوا إلى رشدهم من بعد؟ فإذا أقررنا بذلك، فإننا لم نستطع أن نفهم حقيقة الخوارج. لقد أخطئوا، وبعد خطيئتهم رجعوا عن باطلهم وأيقنوا بما بان لهم أنه جوهر الإيمان. وعدوا أن الحيرة الطارئة التي ألمت بهم كانت ذنبا عظيما، فوطنوا العزم على بذل أقصى الجهد في الكفارة عنه.
فالباعث إذن على ظهور الخوارج وعلى كيفية سلوكهم هو التوبة. والتوبة عندهم إنما تكون بالأفعال، وبهذا طالبوا عليا وسائر القوم: أعني أن يتوبوا بالأفعال ـ وهو أمر ظهر جليا في كل مناسبة عرضت. فهذا مالك بن الأشتر، من أحق الناس بلقب الخوارج، لأنه وحده لم يدع نفسه ينساق في الضلال، واحتج على التحكيم مع أهل الشام واقتصر دوره على هذا فقط. فالقول بأن الخوارج نبتوا بين طبقة القراء رأى قائم على تخمينات وافتراضات لا أساس لها من حيث المضمون التاريخى.
فما قدمه وصفا للقراء هي صفات عامة يتفق فيها صفوة الصحابة الذين أخلصوا في الدعوة إلى الإسلام سواء في مجال الحرب أو في حياة السلم، ولا ينبغي في مجال المقارنة أن تكون الوجوه العامة في الاتفاق كالاشتراك فى الدين والتقوى وقراءة القرآن والإخلاص في العبادة، وهى ركائز الحياة الإسلامية، أن تكون صفات خاصة لمذهبية خارجة فنسيء إلى الإسلام ونجعل مميزاته العامة خصائص مذهبية كريهة وتكون مسوغات رفض المذهبية هي مسوغات رفض الإسلام
فلم يكن القراء يؤلفون طبقة محددة، بل كانوا غير واضحى المعالم. كذلك لم يكونوا يؤلفون حزبا سياسيا ذا برنامج محدد ثابت؛ فمنهم من كان في صف أهل الشام، ومنهم من كان فى صف أهل العراق وهناك من تخلف عن القتال على ومع معاوية، وبقوا في أماكنهم امتثالا لعبد الله بن مسعود وأبي موسى
مع
(1) الخوارج والشيعة - أحزاب المعارضة السياسية الدينية فى صدر الإسلام ترجمة د. عبد الرحمن بدوي.
79