الفرق الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٨٩الدولة المنظمة، وتشبعوا بروح الطاعة الحربية والسياسية. وكان منهم الأمراء والحكام، فدانوا لهم بالطاعة، وتلقنوا حقوق الدولة عليهم. وكانوا بسبب الحروب الدائمة مع
الروم يتدربون تدريبا منظما، لذلك كانوا من الناحية الحربية يفوقون العرب جميعا. كذلك من أسباب وقوف الشام مع معاوية: كون معاوية يقيم في دمشق في المنطقة التي كانت كلب تسكنها، وتزوج امرأة من أشراف كلب، وجعل ابنها يزيد وارثا لعرش الدولة. وكان التضامن بمعنى التحالف السياسي عند العرب، فكانت كلب تنها تشعر أنهم أصهار للخليفة وأخوال لولي عهده. وكانت نائلة زوجة الخليفة عثمان من كلب، ومن الجائز أن يكون الثأر لمقتله لقى قبولا بين كلب نفسها، وربما هذا السبب أيضا رماهم بين أحضان معاوية. يقول فيلهوزن (1): ولم يكن المسلمون في الشام يعيشون بمعزل وفي مستعمرات مخصصة لهم، بل كانوا يعيشون بين أبناء البلاد في المدن القديمة، مثل: دمشق، وحمص، وقنسرين وغيرها، بل كانوا أحيانا يقاسمونهم بيتا لله نصفه مسجد والنصف الآخر كنيسة. وكان التراث المسيحى فى فلسطين والشام موضع تقدير كبير من جانب المسلمين (2). وكانت الشام في نظر المسلمين أيضا أرضا مقدسة، وفي بيت المقدس نصب معاوية نفسه خليفة، وكان من حيث هو سياسي متسامحا مع رعاياه المسيحيين، وقد نال محبتهم وعرفانهم بفضله، وكانوا يشعرون أنهم تحت كنفه في عافية لا تقل عما كانوا عليه تحت حكم الرومان.
(2)
(3) وراثة الخلافة ويزيد بن معاوية: لم تكد الفتنة تهدأ وتضع الحرب أوزارها وانكبت الفرق تتساءل عن حق شرعية الخلافة والحق الشرعى مع من، حتى أجج نارها مرة ثانية ذلك الذى أججها أول مرة،
معاوية بن أبي سفيان، حين قام بطلب البيعة لابنه يزيد تحت أسنة الرماح.
يروى ابن الأثير: كان ابتداء أخذ البيعة ليزيد قد جاء من قبل المغيرة بن شعبة. وكان قصد المغيرة في الحقيقة سيئا. فقد بلغه أن معاوية يريد عزله عن الكوفة، فرأى أن يشخص إلى معاوية ويستعفيه لتظهر لمعاوية كراهته للولاية، ولكي يستريب معاوية في خروجه منها، فيبقيه في منصبه. ثم دخل المغيرة على يزيد ففاتحه فى وجوب عقد البيعة له، وحدث
(1) تاريخ الدولة العربية: ص 128.
(2) يراجع الطبرى: ج 2 ص 205، 228.
14