الفكر العقدي عند الشيخ بيوض
الجزء ١ · صفحة ٢١٦يتعسف في استعمال سلطانه» (1)، فالله سبحانه قال في معرض الكلام عن القضاء {إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (ص: (26) وقال مبينًا طغيان فرعون وقومه وتكذيبهم لرسالة موسى عليه السلام وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (القصص: 39) إنهم «كفروا بالبعث ولم يؤمنوا بأنهم سيرجعون إلى الله، ويقفون بين يديه ليحاسبهم على أعمالهم ويجازيهم عليها إذ لو آمنوا بهذا لعدلوا» (2)
فإذا كان الإنسان لا يخاف ولا يرجو أي ثواب في الحياة الأخرى فإنه لا يؤمن إلا بالنتائج المادية العاجلة، فتنقلب معاييره وتجذبه طينيّته إلى أسفل سافلين، إلى درك البهائم والوحوش، من تباع
الشهوات والبغي والخصومات ..
الوعيد أقوى في النفس تأثيرًا
خلق
الله الإنسان فألهم نفسه فجورها وتقواها، وأنزل آيات الوعد والوعيد لتقوية سلطاني الخوف والرجاء، إلا أنَّ الله العليم بوساوس النفس وشدّة تأثرها بالخوف نوّع في القرآن أساليب الوعيد لأنه يدفع النفس أكثر مما يجتذبها الرجاء، والمؤمن بحاجة إلى من يُذكره بالخوف من عذاب الله. فكل من الخوف والرجاء سلطان زاجر في العباد، لكن الخوف من جهنّم يدفع الناس عن المعاصي أكثر مما يدفعها الطمع في الجنّة، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (النازعات: 40)
أثر
عن رابعة العدوية كلام ينفي أثر الخوف والرجاء في استقامة العبد والثبات عليها، إذ سُئلت عن حقيقة إيمانها بالله فأجابت بأنها «ما عبدته خوفًا من ناره ولا طمعًا لجنته فأكون كالأجير السوء، عبده حبا له، وشوقا إليه (5) علّق الشيخ بيوض على هذا الكلام بأنه جميل في الظاهر إلا أنه مفتقر إلى دليل من الكتاب والسنة، وعملُ الأنبياء السابقين إلى الخيرات خوفًا وطمعًا حجةٌ عليه (6).
لولا الخوف من الله وحسابه لاتبع كلّ أحد هواه ومضى يفعل ما يشاء، وعلّل الشيخ بيوض كون اتباع الشهوات نتيجةً حتميةً للغفلة عن الآخرة بكون أصحابها لم يوقنوا بقانون الجزاء الرباني
(1)
في رحاب القرآن، سورة ص 6745 (2) من سورة القصص: 3848 من سورة الكهف: 415/ 2
(3)
(4)
من سورة طه 391/ 3
(5) زين الدين محمد عبد الرؤوف المناوية الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية، الطبقات الكبرى ط 1، تح: محمد أديب الجادر دار صادر، 1999 م 288 ورابعة العدوية من الناسكات القانتات، عاشت في عهد الحسن البصري (ص ص: 285 - 291). في رحاب القرآن سورة الفتح ج 19 نسخة المسودة (الرقمية).
(6)
- 216 -