الفكر العقدي عند الشيخ بيوض
الجزء ١ · صفحة ٢٧٠المادية والدساتير البشرية عن تقديم حلول جذرية لها، وفاقد الشيء لا يعطيه ذلك لأن الجهود البشرية - إن سلمت من الانحياز والتقصير - تبقى قاصرة عن الاهتداء إلى حلول جذرية لقضايا الإنسان، لأنّ حياته لا تنحصر في الجانب المادي بل هي مرتبطة بالغيب - الذي لا يُعلم إلا عن طريق الوحي - ارتباطًا وثيقا، وبالتالي فإنّ صلاح أحوال البشر لا تتمّ بمنأى عن الاهتداء بنور الوحي المنزل من عالم الغيب، من هنا يدرك دور الإيمان في توجيه سلوك الإنسان وعلاج قضاياه الحياتية
إذا كان الإنسان (براغماتي) نفعيًّا، يهبُّ للبذل والتضحية من أجل إحداث التغيير إذا شعر بالألم واقتنع بخطورة الوضع الذي هو فيه، فإنَّ الإيمان هو القناة الإعلامية الصادقة التي تعرّف الإنسان بأصل وجوده وتنبئه برسالته في الحياة وبمصيره الأخروي السرمدي، فإذا تيقن الإنسان بهذه المعاني أحدثت فيه تغييرا داخليا سريعا ما ينتشر في مختلف جوانب الحياة صلاحًا وإصلاحًا، مصداقا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
وإذا كان التغيير النفسي ضرورة لكلّ حركة ونهضة ناجحة فإنَّ الإيمان هو الذي يهيئ النفوس لتقبل المبادئ الخيّرة مهما يكمن وراءها من تكاليف وواجبات، وتضحيات ومشقات وهو العنصر الوحيد الذي يغير النفوس تغييرًا تامًا وينشئها خلقا آخر» (1). وما تخلّف المسلمون عن الركب الحضاري إلا بسبب ابتعادهم عن الدين، الذي يفرّق بين الإيمان الصادق والإيمان المزيف، ويدعو إلى شمولية الإيمان وتكامله في
الحياة
ركز القرآن المكيّ عَلَى ترسيخ العقيدة الصحيحة في القلوب، لكونها القاعدة لفروع الشريعة الشاملة لكل مناحي الحياة، ودعا الناس جميعًا إلى الإيمان بربّ العالمين والرسالة والبعث والحساب، وخاطبهم بقولة يَا أَيُّهَا النَّاسُ، وقوله يَا بَنِي عَادَمَ، فمن استجاب لهذا النداء وتلفّظ بكلمة الشهادة يكون قد أمضى عقدا الله للقيام بمستلزمات الإيمان، ثُمَّ توالت النداءات الشريفة للمؤمنين: يَا أَيهَا الذِينَ مع امَنُوا تدعوهم للقيام بتبعات هَذَا العقد، وتضبط لهم علاقاتهم مع الله والمجتمع والكون، فعلاقة المؤمن مع الله علاقة خضوع واستسلام وعلاقته مع المجتمع علاقة تعارف، وتعاون وعلاقته مع ما في السموات وما في الأرض علاقة تسخير …
تتضمن العقيدة الإسلامية طاقة روحيّة لها تأثير كبير في الحياة الإسلامية سواء الفردية أم الاجتماعية، ويلاحظ أنها تتخلّل جميع سور القرآن بلا استثناء وأنها تتخلّل جميع أحكام الإسلام الأخلاقية
(1) يوسف القرضاوي: الإيمان والحياة ط 10 مكتبة وهبة القاهرة - مصر، 1416 هـ/1996 م 307
- 270 -