الفكر العقدي عند الشيخ بيوض
الجزء ١ · صفحة ٢٩٦على سلطة القانون، وغفلتها عن معالجة القضية من داخل الإنسان أما تشريع العليم الخبير فإنه يؤسس
ضوابط السلوك الاجتماعي على قاعدة الإيمان الصلبة التي تضمن حسن الالتزام.
لم يكتف الشيخ بيوض بدروس نظرية، بل دفعه إيمانه بوجوب المجاهدة على إصلاح الأوضاع الإجتماعية إلى ضرورة فقه الواقع فساير أحداث عصره وسير شؤون مجتمعه، مباشرة أو إشرافًا، وخصص محلاً في داره لحل النزاعات، وفتح مكتبًا بالسوق للاقتراب من معترك الحياة وتسهيل الاتصال بأفراد المجتمع، فبذلك يتمكن من التوصل إلى الحلول العملية وتقديمها للمعنيين بها في لقاءات خاصة، وفي عرضها في دروسه سه المسجدية، مما أكسبها واقعية من حيث اختيار المواضيع الأولى بالدراسة، ومن حيث طريقة البيان والتوضيح لتمكين جميع المخاطبين، على اختلاف مداركهم، من الاستيعاب
نستخلص من هذا العرض أن الدرس الديني ينبغي أن ينطلق من الواقع بمعاينته وتشخيص علله، ثم يرجع إليه لمعالجته ووضع الدواء في موضع الداء، قال الشيخ بيوض مبينا دور هذا الدرس في إصلاح قضايا المجتمع «دروسنا ومواعظنا يجب أن تكون في الأمراض التي ابتلينا بها لمعالجتها، وليست كلماتٍ عامةً نمر عليها دون أن نضع أيدينا على مواضع الجروح، بل يجب علينا أن نضع النقب (2) الهناء فوق موضع
توصل الشيخ بيوض من خلال هذه الدروس إلى معالجة العديد من أمراض المجتمع، منها ما صميم العقيدة، إذ يقول عنه: «سَرت إلى المجتمع المزابي … بعض أمراض، كتقديس بعض قبور الأولياء، يعتقدون أن لهم تأثيرًا في الكون، وأنهم سبب النفع والضرّ للأحياء، هذه العقيدة الخرافية المنافية للدين!» (3، ومنها ما يتعلق بالعبادات والمعاملات والأخلاق عالجها الشيخ بيوض بإرجاعها إلى الأصول الإيمانية، اعتبارًا لكون سلوك الفرد من ثمرات الإيمان يشهد لذلك قول رسول الله r: «أكمل المؤمنين إيمانًا
أحسنهم
خلقا (4)
أثمرت دروس الشيخ بيوض المسجدية أخلاق الإيمان في الجانب الروحي، كعمارة المسجد والتنافس في الأعمال التطوعية والإنفاق في سبل الخير، إذ يتضح من خلال المثال الآتي مدى استجابة الأمة لنداء المسجد والمسارعة في تطبيقه، فقد أعلن الشيخ بيوض ذات ليلة عن شراء دار لصالح المسجد، وفي الصباح قدم إليه
(1) حسن الترابية الإيمان أثره في حياة الإنسان، ط 1، دار القلم، بيروت، 1394 هـ/1974 م 181 (2) في رحاب القرآن، سورة المؤمنون: 855
(3)
محمد علي دبوزه أعلام الإصلاح، 585
(4) تقدم تخريجه، ص 270
- 296 -