الفكر العقدي عند الشيخ بيوض
الجزء ١ · صفحة ٣٢٠السبب الرئيس في ذلة المسلمين إعراضهم عن الله واستخفافهم بشريعته، «فأعرض عنهم ووكلهم
الله
إلى أنفسهم وتركهم يتعلقون بأذيال أعداء الله وأعدائهم يسعون وراءهم لاهثين يخافونهم ويرجونهم دون وهم يعبثون بهم ويتقاذفونهم بينهم من شرق إلى غرب ومن غرب إلى شرق ومن أفاك أثيم إلى شيطان
رجيم (1)
حذر الله نبيه الكريم أن يستخفّه أعداؤه الكافرون فقال له فَاصْبِرِ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفْنكَ الذِينَ لا يُوقِنُونَ} (الروم (60) إلا أن دعاة الباطل عبر العصور قد ينجحون في استخفاف الناس، إما بمنطق القوة كفرعون الذي استخف قومه فأطاعوه، أو بقوّة المنطق كأصحاب الفلسفات على اختلاف مذاهبها، وقد وصف الشيخ بيوض واقع مجتمعه الذي أصابته عدوى الانسياق وراء الدعاة إلى الأفكار الوافدة من غير ترو ولا وعي أو شعور، وبين تصرّف المؤمن الواعي صاحب المبدأ والرسالة في الحياة المتوكل على الله في كل الأحوال فالواجب على الإنسان أن يكون رزينا لا تستهويه الشبه ولا مطلق الدعوات أو الشعارات الزائفة، فينطلق وراء كل ناعق، وإنما عليه أن يتأمّل ويتدبّر ويدرس العواقب ثم يقرر، وإذا عزم فليتوكل عَلَى الله» (2).
من الآداب الإسلامية شكر الذين أسدَوا المعروف لما روي عن الرسول r أنه قال: «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ الثَّنَاءِ (3)، ولكن المشكل يكمن في قصر الإنسان الشكر على المخلوق، الذي هو واسطة، والغفلة عن المنعم الحقيقي ربِّ العالمين خالقِ النعم جميعًا، وهو القائل: وَمَا بِكُم مِّن نَّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} (النحل: 53) فإن طول أمد الغفلة عن شكر الله - الذي قضت حكمته أن يتخذ بعض الناس بعضا سخريا - سبب في توجيه القلوب إلى تعظيم المخلوق المنعم عليهم كأنه هو مصدر النفع أو الضر … «فيا هذا ما ذاك الإنسان إلا واسطة سخرها الله لك، فبعث إليك برزق على يده أو علمك علمًا أو أنقذك من بلاء، تُرى إذا ضربك أحد بالسيف وجرحك، فهل تلوم السيف أو اليد التي استعملته؟ (4).
(1) إبراهيم بيوض روح الشريعة الإسلامية وواقع التشريع اليوم في العالم الإسلامي، محاضرة ألقاها بالملتقى السابع للتعرف على الفكر الإسلامي، تيزي وزو، 1393 هـ/1973: 7552
(2) في رحاب القرآن، سورة الروم 35410
(3) رواه الترمذي، وقال: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ غَرِيب" سنن الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الثناء بالمعروف،
حديثة 2035، 3804
(4) في رحاب القرآن، سورة سبأ 1243
- 320 -