الفكر العقدي عند الشيخ بيوض
الجزء ١ · صفحة ٥٦إن وضوح عقيدة المسلم لديه، وشعوره بالثقة المطلقة بها، من أهم ما يؤثر في بناء شخصيته ويؤهله لعمارة الأرض وبناء الحضارة على أسس الإسلام ومبادئه، ولن يتيسر للإنسان المسلم ذلك إلا إذا استشرف القرآن من جديد وجرّد آياته من أغطيتها التاريخية من مباحث علم الكلام المنحرفة بتأثير علم
اللاهوت في الشرق والغرب، ومن مباحث ما يسمى مباحث الفلسفة الإسلامية، ومعها أيضًا ما بالفكر الإسلامي الحديث الملتاث بثقافات الغرب وحضارته الوثنية الكافرة (1)
لقد خاطب القرآن الكريم في الإنسان الفطرة والعقل والوجدان معًا، ونهج في دعوته إلى أركان الإيمان مناجاة الفطرة وتحريك بدهياتها الإيمانية، لذلك سُمّي القرآن ذكرًا وذكرى، وأمر الله رسوله الكريم r أن يذكر به من يخافون الوعيد، فقال: فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِي (ق: 45)، فالقرآن - كما يقول الشيخ محمد الغزالي-: «هو وحده مصدر العقائد وموطن اليقين، وأسلوب القرآن في تقري العقائد يمتاز بالوضوح المطلق ويتسم بالموافقة لبداهة العقل، واستعصائه عَلَى المتناقضات والشبهات» (2). من أجل ذلك جعل الشيخ بيوض غايته من تفسير القرآن الكريم تحقيق الغرض الهدائي الهادف تزكية النفوس وتثقيف العقول والنهضة بالمجتمع، فلم يكن يركز على تبيين الفروق اللغوية والمذهبية بل حرص على إسقاط النصوص على واقعه، وعرض أزمات عصره على كتاب الله ليهتدي بنوره إلى استنباط الحلول المناسبة، فكان كثيرًا ما يستطرد في مواضيع متنوعة تتعلق بأحداث مجتمعه وعصره التي يريد الحديث عنها، ففي هَذَا الاستطراد يُخيَّل للمستمع أنه لا يسمع درسًا في التفسير بل درسا في الوعظ والإرشاد، الغاية والحكمة من إنزال هَذَا الكتاب المقدس، وهي الهداية والإرشاد، وهو ما كان من صميم يسعى إليه المفسرون المصلحون» (3).
وهذا طبعا
فقد كان الشيخ بيوض حريصًا على استكناه هدايات القرآن الكريم وإيصالها لمدارك جميع أفراد الأمة قصد التحرك به، ويا ليت الناس يفهمون كلام الله، هذا الذي أنزله في كتابه ويا ليتهم فهموا كتاب الكون حَتَّى يعودوا إلى الله، ويؤمنوا حق الإيمان بوعد الله» (4).
(1)
(2)
محمد عبد الحكيم خيال، تقديم كتاب الحضارة الإسلامية، لأبي الأعلى المودودي: 03
محمد
الغزالية الدفاع عن العقيدة والشريعة 82
(3) نادية وزناجي منهج التفسير عند الشيخين عبد الحميد بن باديس وإبراهيم بن عمر بيوض بحث مقدّم لنيل درجة الماجستير، المعهد
الوطني العالي للعلوم الإسلامية بباتنة، السنة الجامعية 1998 - 1999: 440
(4) في رحاب القرآن تفسير سورة الأحقاف، 26318
- 56 -