المدخل إلى الفقه الإباضي
الجزء ١ · صفحة ١١٢وهذا يبيّن أن الإباضية اعتمدوا وأخذوا وحق لهم أن يأخذوا بما في
البخاري ومسلم وغيرهما قديماً وحديثاً، ولم يحدث أن قلا الإباضية كتب صحيحي الحديث التي ألفها غيرهم؛ ذلك أن الذين ألفوا هذه المصنفات الحديثة، لم يؤلفوها لفرقة أو مذهب معين، بل لعموم المسلمين. يبقى أن الإباضية يعتقدون أنه لا يصح القول بأن من روى له فلان قد جاوز القنطرة، ولا يصح البحث عنه ولا عن أحواله؛ لأن العصمة لا تكون إلا لكتاب الله تعالى وحده.
الفرع الرابع: موقف الإباضية من الاحتجاج بأحاديث الآحاد
لقد ذكر الباحث سابقاً أن أكثر الأخبار المنقولة إلينا عن طريق الرواة هي أخبار الآحاد، أما الأخبار المتواترة أي التي نقلها إلينا جمع من الرواة يستحيل تواطؤهم على الكذب فهي قد لا تتجاوز عدد أصابع اليد.
وهذه الأخبار منها ما يتعلق بالجانب العقدي الذي هو ثمرة اليقين، ومنها ما يتعلق بالفروع: أي المسائل الفقهية التي يُكتفى فيها بغلبة الظن. واستجلاء لوجهة نظر الإباضية في العلم والعمل بمقتضى أخبار الآحاد، رأى الباحث الحديث عن ذلك من خلال النقطتين التاليتين:
أ: موقف الإباضية من الاحتجاج بالأحاديث الآحادية في المسائل العقدية:
اتفق الإباضية على عدم جواز الاعتماد أو التعويل على الأحاديث الأحادية في الأمور العقدية؛ ذلك أن أخبار الآحاد أخبار ظنية، والعقيدة لا بد أن تبنى على القطع واليقين وإذا كان الأمر كذلك فليس من المعقول أن يجعل أساس العقيدة ظنياً لأن مسائل أصول الدين إنما يؤخذ فيها باليقين، وخبر الآحاد لا يثمر اليقين، وإنما يثمر الظن، فلا يجوز ترك ما يثمر العلم لأجل ما يثمر الظن) (1).
منها:
ويؤيدون موقفهم هذا من خبر الآحاد في أمور العقيدة بأدلة نشير إلى بعض
1 - لو أفاد خبر الواحد العلم لوجب تصديق كل خبر يُسمع
2 - قسمت الأخبار إلى خمسة أقسام أحدها: قسم يحتمل الصدق والكذب واحتمال الصدق أرجح من احتمال الكذب إن كان الخبر يرويه العدل، أو الذين لم يبلغوا
(1) نور الدين السالمي، طلعة الشمس 19/ 2.
90