المدخل إلى الفقه الإباضي
الجزء ١ · صفحة ١٣١المسافر عليه الصلاة خلف المقيم أربعاً، وأن هذا ثبت بنص عن رسول الله وإن لم يرد إلينا لفظاً يقصد أن هذا ثبت عملياً وذلك أن الوفود ترد إلى المدينة وتصلي خلفه صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت أنه أمر من صلى من المسافرين خلفه في المدينة بالقصر إذ الأصل الإتمام، وكذلك الصحابة كان منهم المسافر ومنهم المقيم، ولم ترد أن أحداً منهم سافر وصلى خلف مقيم فلم يتابعه في صلاته أو اقتصر على ركعتين، وكذلك الأئمة الأعلام فإنه قد ورد عنهم تفاصيل صلاة القصر في السفر إلا أنهم قلما يتعرضون للحديث حول كيفية من سافر وأراد الصلاة خلف المقيم مما يدل على أنه من البدهي أن يصلي المسافر خلف المقيم، حسب صلاة المقيم، وهذا الإجماع المتواصل الذي لا مخالف له يدل على أن هذا الحكم قد تأسس على سنة أقل ما يقال فيها أنها عملية أو تقريرية.
والخليلي في حقيقة الأمر لم يتفرد بهذا الرأي، بل سبقه إلى ذلك الإمام الشافعي، وهذا واضح من خلال تمثيله للإجماع بعدد ركعات الظهر وتحريم الخمر (1) وهذا الرأي أيضاً هو رأي ابن حزم (2)، إذ الإجماع عنده هو ما نقلته الأمة عصراً بعد عصر كالإيمان وأصل الصلوات والصيام وشهره ووقته (3).
وعلى ذلك فليس من الحقيقة في شيء القول بأن الشافعي ينكر الإجماع، بل
يُثبت الإجماع، لكنه يعنى به الإجماع التوقيفي أي الإجماع في أصول الفرائض
،
(4)
ولعل شبهة إنكار الشافعي للإجماع تأتي من اشتداده على مناظره، الذي يكثر من القول أجمع أهل العلم، وعند التحقيق يظهر خلاف ما ادعاه مناظره، فالشافعي يرى أن كثيراً من المسائل التي ادعي فيها الإجماع لم يثبت فيها الإجماع أصلا (ه)، فهو إذا يضيّق من دائرة الإجماع، ويكاد يحصره في أصول الفرائض، ولا ينفيه البتة، بدليل قوله لمناظره عندما سأله هل من إجماع؟ قال: (نعم نحمد الله كثيراً في
(1) الرسالة/ 534
خلفان بن محمد الحارثي، الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي /99. (2) الإحكام في أصول الأحكام 683/ 4
(3) الإحكام 683/ 4
(4) أبو زهرة، أصول الفقه /187. (5) الشافعي، الأم 492/ 7 - 493.
109