المدخل إلى الفقه الإباضي
الجزء ١ · صفحة ٣٦د
جـ - أمر معاوية بن أبي سفيان الضحاك بن قيس أن يغير على كل قرية موالية للإمام علي، فقتل تسعة عشر رجلاً (1).
وجه معاوية بن أبي سفيان بسر بن أرطأة إلى الحجاز في ثلاثة آلاف مقاتل فدخل بسر مدينة رسول الله وهدّم الدور، وروّع الآمنين، وأكره أهلها على البيعة، وتوعد بني سلمة بسوء العاقبة إن لم يأتوه بجابر بن عبد الله، حتى بلغ الأمر أن استشار جابر بن عبد الله السيدة عائشة في الأمر فنصحته بأن يبايع (2) وما ذلك إلا لعلمها بأن جابراً مقتول لا محالة إن لم يبايع ولن تشفع له صحبته لرسول الله، ولا
زهده، ولا علمه.
كما أن بسراً قد أغار على اليمن، فأراد أن يقتل ابني عبيد الله بن عباس وكانا صغيرين، وإذا برجل يشفق عليهما ويطلب من بسر أن يقتله بدلاً عنهما، وإذ ببسر يبدأ به ويثني بهما (3). إن المنصف إذا تأمل أهل النهروان وجد أنهم أبعد ما يكونون عن مثل هذه الأفعال؛ لأن منهم الصحابة الكرام؛ كما أنهم خرجوا للإصلاح وإنكاراً لما يرونه منكراً فلا يمكن أن يتواطؤوا على منكر أشد، والملاحظ أيضاً أن نزعتهم لم تكن عدائية حتى عندما يطاردهم العدو علماً بأن وقت الحرب هو وقت انفعالات ومن الأمثلة على ذلك مسلك أبى بلال مرداس بن حديد أحد الناجين من موقعة النهروان إذ طارده ابن زياد وضيق عليه، فأجبره على الفرار من مكان لآخر، ومما قاله أبو بلال (والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين تجري علينا أحكامهم، مجانبين للعدل، مفارقين للفضل، والله إن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكننا ننتبذ عنهم، ولا نجرد سيفاً، ولا نقاتل إلا من قاتلنا). وخلاصة القول إن كل مخالفة شرعية سواء وقعت ممن كان في جيش علي أو معاوية أو عبد الله بن وهب الراسبي لا يصح أن تُعطى صبغة جماعية، بل لا تعد وكونها تصرفاً فردياً غير موافق عليه قطعاً من قبل قادة الجيش؛ فجميع هؤلاء القادة، وكثير ممن كان معهم هم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن أحد أسرع إلى تطبيق وصايا الإسلام بعد رسول الله من صحابته الكرام.
(1)
(2)
(3)
المصدر السابق 104/ 1.
الطبري، تاريخ الأمم 4/ 107
المصدر السابق 62/ 4 - 63
•
المبرد، الكامل في التاريخ 431/ 2.
13