المدخل إلى الفقه الإباضي
الجزء ١ · صفحة ٣٧-
الشبهة الثالثة: تكفيرهم المخالفين لهم خاصة تكفيرهم لعلي بن أبي طالب (1). ويرى الإباضية أن حمل كلمة الكفر هنا بمعنى الشرك، واقتصارها عليه لا يخلو من محاولة تشويه للحقيقة، وإثارة للرأي العام؛ بدليل أنه حتى أنصار علي قد استخدموا
هذا المصطلح وصفاً لأنفسهم (2) فهل هم يعتبرون أنفسهم من المشركين المرتدين؟ فالكفر عند التحقيق ينقسم إلى كفرين كفر شرك وهو الكفر المخرج من الملة، كإنكار شيء معلوم من الدين بالضرورة، وكفر نعمة كما هو اصطلاح الإباضية، أو هو بمعنى كفر دون كفر، كما هو اصطلاح الإمام البخاري (3).
فمن زنى أو سرق انتهاكا لحرمات الله لا استحلالا لها، فهو كافر كفر نعمة عند الإباضية، وهو واقع في باب كفر دون كفر عند البخاري، فالإباضية يطلقون عليه كافرا، وغيرهم يطلق عليه عاصيا أو منافقاً، فالخلاف لا يعدو أن يكون لفظيا بين الإباضية وغيرهم من المذاهب الإسلامية، ولا أدل على ذلك مما رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر (4)، ولاشك أن الكفر هنا بمعنى كفر النعمة لا كفر الشرك، وإلا لزم تشريك المتقاتلين من الصحابة وغيرهم من أمة الإسلام كما روى البخاري أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض (5)، وليس من قائل بأن المتقاتلين من الصحابة قد أشركوا، بل قتالهم كان مجرد معصية وكفر
بنعمة السلام.
أحد
أما الكفر بمعنى الشرك فأول من ابتدعه نافع بن الأزرق (6) وقد كان نافع أفراد المحكمة، إلا أنه لم يكن يسوس الأمر، أو يتولى قيادة المحكمة، بل
يتولى أمرهم الإمام عبد الله بن وهب الراسبي، ولعل نافعاً اشتط في تشريك مخالفيه
(1)
(2)
(3)
(£)
(3)
(1)
ابن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك 107/ 4.
المصدر السابق 74،18/ 4.
صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب كفران العشير وكفر دون كفر، رقم الحديث (29). صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن، رقم الحديث (6044). صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: لا ترجعوا بعدي
كفاراً، رقم الحديث (7077).
محمد بن سعيد القلهاتي، الكشف والبيان 2 423. ناصر السابعي، الخوارج/ 133.