منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٥١

الفصل الثاني:

أدلة الاجتهاد عند الشيخ بيوض

ويلاحظ أن اعتبارها شرعا لنا يكون من وجهين: إما أن يكون من طريق أن شرع من قبلنا شرع لنا

(1)

مع عدم النسخ ولا الإنكار، وهو مذهب الجمهور؛ أو من طريق حديث رسول الله: «كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ» ()، فتكون السنّة مقرّة لذلك الشرع. ويبيّن الشوكاني رجُوع هذا الحديث إلى آية المائدة بقوله: وأشار بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ﴾ [المائدة: 45]، وقيل: إلى قَوْله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بالسِّنَّ﴾ [المائدة: 45] وهو الظاهر» (2)، فيكون هذا الحديث ـ وفق منهج الشيخ بيوض ـ دليلا على أنه

شرع لنا.

3 - أيد الشيخ ما قضى به سيّدنا سليمان في قصة غنم القوم التي نفشت في الحرث (3)؛ حيث حكم بأن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وأصوافها، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى الحال التي أصابته الغنم ردّ كلّ واحد منهما المال إلى صاحبه. قال الشيخ بيوض مؤيدا هذا الحكم: «فإذا وقعت قضيَّة على هذا النحو فإنَّه يقع فيه الحكم على هذه الكيفية» (4).

والملاحظ أنّ رأي الشيخ في هذه المسألة مبني على شرع من قبلنا الوارد في القرآن، وليس في شريعة الإسلام ما ينسخ هذا الحكم أو يبطله، بل هناك ما يؤيده وهو قوله تعالى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ (الأنبياء: 79). من خلال ما سبق يتبيّن لنا أن مذهب الشيخ بيوض لم يكن بعيدا عن مذهب الجمهور في حجية شرع

من قبلنا، والتطبيق الفقهي يوضّح تقارب الآراء، حتى آل الخلاف في الأصل إلى مجرّد خلاف لفظي. بعد هذا العرض المفصّل لمباحث الأدلة النصية التي استدل بها الشيخ بيوض على الأحكام الشرعية، يظهر اعتباره القرآنَ الأصل الأوّل لجميع الأدلة والأحكام والمصدر الأساس للتشريع، ثم تليه السنة، ثم الإجماع، وهو الترتيب المعهود عند عامة أهل العلم، كما قد نالت السنة ومباحثها الحيّز الأكبر في التأصيل؛ لأنها تستوعب أكثر جزئيات الأحكام، ومسائل الفروع. أما قول الصحابي فلم يعتبره حجّة، بخلاف شرع من قبلنا فهو حجة عنده بشروط.

(1) ولفظ الحديث عن أنس رضي الله عنه قال: كسرت الربيع وهي عمة أنس بن مالك ثنية جارية من الأنصار فطلب القوم القصاص فأتوا النبي، فأمر النبي بالقصاص. فقال أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك: لا والله لا تكسر سنها يا رسول الله، فقال رسول الله: يا أنس كتاب الله القصاص». أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير، باب تفسير سورة المائدة، رقم: 4335، 4/ 1685.

(2) نيل الأوطار، 32/ 7. (3) ينظر: بيوض: في رحاب القرآن، 4/ 117 - 119.

(4) المصدر نفسه، 4/ 119.

151)