منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٦٣الفصل الثاني:
أدلة الاجتهاد عند الشيخ بيوض
فإنّ المصلحة الشرعية هي التي شهدت لها أصول الشرع بالاعتبار، واندرجت تحت جنس أحكامه، ولو لم يرد في خصوصها دليل شرعي.
وسيتم في هذا الفرع بيان منهج الشيخ بيوض في الاستدلال بالمقاصد على أحكام الوقائع، ومدى
مراعاته للمصالح في الاجتهاد والفتوى، وذلك من خلال التطبيقات الآتية:
1 - يرى الشيخ بيوض أنّ الوسطية والتوازن مقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية، دلّت عليها النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، من ذلك قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: 143)، وقوله [لعبد الله بن عمرو بن العاص: «فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» (1).
فدين الإسلام وسط، أعطى للنفس حقها، وأعطى للبدن حقّه، وأعطى للدنيا حقها، وأعطى للآخرة حقها، وشعاره: {وَابْتَغِ فِيمَا ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا (القصص:
77 (2)، كما أنّ الوسطية هو الوصف الذي عليه مناط شهادة هذه الأمة على الناس يوم القيامة (3).
وبناء على مقصد التوازن، يعتبر الشيخ بيوض أنّ العمل من أجل الكسب أمر واجب، ولا يجوز لأحد أن يجلس إلى سارية المسجد متنسّكا، طالبا من الله الرزق، لأنّ هذا تطرّف، وكلا طرفي قصد الأمور
(4)
ذميم، غير مقصود للشارع، كما أنّ ترك العمل للدنيا مطلقا آيل إلى تعطيل سنّة الاستخلاف؛ إذ إنّ الله تعالى خلق الإنسان وجعله خليفةً في الأرض، والخلافة لا تتحقق بالبطالة والقعود تحت السواري، بل بالإعمار وفق مراد الله عز وجل (5). وفي هذا يقول: «وهكذا الإسلام وسط في كُلِّ شَيْء، في الطباع والآداب والأعمال ( … )، وسط بين مطالب الجسد والروح، وبين الدُّنيا وَالآخِرَة، فالاعتدال هو الوسط، والضلال هو الميل إلى هنا أو هناك» (6).
-2 يذهب الشيخ إلى القول بجواز الإحرام من جدّة بالنسبة إلى الحجّاج المسافرين عبر الطائرة؛ لما
(1) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب حق الجسم في الصوم، رقم: 1874، 697/ 2، واللفظ له. صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوت به حقا، رقم: 2787، 3/ 162.
(2) بيوض في رحاب القرآن، 12/ 404.
(3) ينظر المصدر نفسه، 12/ 405. (4) ينظر: المصدر نفسه. (5) ينظر: المصدر نفسه، 406/ 12.
(6) المصدر نفسه، 400/ 11.
163}