منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٨٧الفصل الثالث:
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
فافتقر إلى دليل يدلّ على ذلك التقييد، أو صار مخالفًا لمقصود الشارع))
وعليه، فإنّ تطبيق دلالة النص العام على وجه معيَّن يُلتزم به يكون مفتقرا إلى دليل يقتضيه، كما أنّ تحديد طريقة للعبادة مع توقيتها بزمان معيّن، إنّما هو من وضع الشارع، وهذه الأعمال مما لم يقم عليها دليل خاص على اعتبارها كذلك، ولا يكفي في ذلك عموم النصوص، لأنّ غاية ما تفيده تلك العمومات
مشروعية ذلك العمل مطلقا من غير تقييد لوجه دون وجه مع اعتقاد أفضليته والتزامه لأجل ذلك. وإن قيل قد ثبت في السنة أنّ بعض الصحابة التزموا طريقة في العبادة لم يفعلها الرسول، وأقرّهم عليها، من ذلك ما كان يقوم به بلال رَضِوَانَهُ عَنْهُ، إذ روي عن النبي أنّه قال: يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإنّي سمعت دفّ نعليك بين يدي في الجنة»، قال: «ما عملت عملا أرجى عندي أنّي لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي» (2).
يجاب عن هذا بإثبات الفرق بين الأمرين: فإن فعل بلال رَضَ اللَّهُ عَنْهُ وإن كان يستند إلى العمومات الشرعية إلا أنه لم يقيّده بزمان معيّن، ولا كيفية محدودة بحيث يكون راتبا، كما أنّه كان يقوم به سرًا في خاصة نفسه، أما الأمور الأخرى فلم تكن كذلك، بل فيها من الإشهار وإقامة الجماعات لأجلها في المساجد ما يجعلها تضاهي الاجتماع للصلوات المفروضة وللعيدين وغير ذلك، وفي هذا يقول ابن تيمية: وعليك أن تعلم أنه إذا استُحِبّ التطوع المطلق في وقت معيّن، وجُوِّز التطوّع في جماعة لم يلزم من ذلك تسويغ جماعة راتبة غير مشروعة، بل ينبغي أن تفرّق بين البابين؛ وذلك أنّ الاجتماع لصلاة تطوّع، أو استماع قرآن، أو ذكر الله ونحو ذلك، إذا كان يفعل ذلك أحيانا فهذا أحسن ( … )، فأما اتخاذ اجتماع راتب يتكرّر بتكرّر الأسابيع والشهور والأعوام غير الاجتماعات المشروعة فإنّ ذلك يضاهي الاجتماعات للصلوات الخمس وللجمعة والعيدين والحجّ، وذلك هو المبتدع المحدث» (3).
ثالثا: النص والظاهر
أ. النص:
(1) الشاطبي: الموافقات، 496/ 3. (2) تقدم تخريجه في ص 128.
(3) ابن تيمية أبو العباس أحمد: اقتضاء الصراط المستقيم تح: ناصر عبد الكريم العقل، ط.7، دار عالم الكتب، بيرون
،لبنان، 1419 هـ - 1999 م، ص 139 - 140.
187)