منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٩٦الفصل الثالث:
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
مدى استعانته بهذه الآلية في استنباط الأحكام؟
أولا: الأحكام بين التعليل والتعبد:
من المعلوم أن أحكام الشريعة دائرة بين ما هو معقول المعنى وما هو تعبدي، وأقصد بالأوّل ما يمكن أن تُدرَك علّته التي هي مُتعلّق الحكم، وبالثاني ما لا يمكن أن يعقل معناه على الخصوص، وإن أمكن أن تُفهَم حِكمته ويُعلَم مقصده من التشريع إجمالا (1).
فالأحكام التي هي من القسم الأوّل تُعتبر مجالا خصبا للاجتهاد في التعليل بالعلل والأوصاف المناسبة، ثم تعدية تلك الأحكام إلى نظائرها وفق ضوابط القياس. ويلاحظ أن أغلب هذه الأحكام في باب المعاملات)، ولهذا قرّر الشاطبي أنّ الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني
(3)
أما ما هو تعبدي فالأصل فيه الامتثال والتوقف عند النصوص، كما لا يصح إجراء القياس فيه لتعذر العلة ()، وأغلب ما تكون هذه الأحكام التعبدية في باب العبادات والأحكام المقدّرة، قال الغزالي: وأما العبادات والمقدّرات فالتحكمات فيها غالبة، واتباع المعنى نادر» (5).
لكن لا يمنع كوْنُ الحكم تعبديًا أنْ يُبحث عن حكمه وأسراره التشريعية، قال ابن القيم: «وبالجملة فللشارع في أحكام العبادات أسرار ا () لا تهتدي العقول إلى إدراكها على وجه التفصيل وإن أدركتها
جملة» (7)
على أنّ البحث في مقاصد الأحكام والمصالح المتوخاة من تشريعها منهج جارٍ على الأصل المقطوع به: وهو أنّ الشريعة إنّما وضعت لمصالح العباد في العاجل والأجل معا (8). يقول الريسوني: وهذا ما يجعل تعليل الأحكام الشرعيّة وتقصيدها هو المجرى الطبيعي للقول
، د. م، 1947 م، 299 البدوي، يوسف أحمد محمد:
(1) ينظر: شلبي، محمد مصطفى تعليل الأحكام، مطبعة الأزهر، مقاصد الشريعة عند ابن تيمية، ط 1، دار النفائس الأردن، 2000 م، ص 167.
ص
(2) المقصود بالمعاملات هنا ما يقابل العبادات، فيندرج فيها سائر أبواب الفقه من النكاح والجنايات، والقضاء، وغير ذلك.
(3) ينظر: الشاطبي: الموافقات، 2/ 513. (4) ينظر: الغزالي: المستصفى، 2/ 341.
(5) الغزالي: شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل تح: حمد الكبيسي، مطبعة الرشاد، بغداد، 1390 هـ-
1971 م، ص 203.
(6) كذا في الطبعة المحققة، والأصح من حيث قواعد اللغة: [أسرار].
(7) إعلام الموقعين، 3/ 329. (8) ينظر الشاطبي: الموافقات، 9/ 2.
﴿196﴾