منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ١٩٧الفصل الثالث:
بعلية البعثة وعلّيّة الشريعة ومصلحيتها))
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
أما الشيخ بيوض فيذهب إلى أن الأصل في التكليف عموما هو امتثال شرع الله تعالى، ولو لم يُعلَم وجه حِكْمَتها، بناء على أنّ «في كل ما شرع الله حكمة» (2)، وأحكامه منزّهة عن العبث، وفي هذا يقول: «فكلّ ما جاءنا من عند الله نقبله على الرأس والعين، إن فهمنا حكمته فحبّذا، وإن جهلنا فعلينا
الامتثال
(3)
كما يرى أنّ الامتثال مبدأ مؤيد لمعنى الإخلاص في العبادة، التي هي الخضوع والتذلل وقبول الأمر
(4)
سواء أدركت الحكمة أم خَفيت)؛ لذلك فقد عدَّ الشاطبي هذا المسلك هو أعلى مراتب دخول المكلّف تحت تكاليف الشريعة، وأكملها وأسلمها، وفي هذا يقول: (والثالث: أن يقصد () مجرّد امتثال الأمر، فهم قصد المصلحة أو لم يفهم؛ فهذا أكمل وأسلم. أما كونه أكمل؛ فلأنه نصب نفسه عبدا مؤتمرًا، ومملوكًا ملبيا؛ إذ لم يعتبر إلا مجرّد الأمر ( … )، وأما كونه أسلم؛ فلأن العامل بالامتثال عامل بمقتضى العبودية». وكان قصد الشيخ بيوض من التركيز على هذا الأصل التنبيه إلى خطر عرض أحكام الله تعالى على عقول البشر، ثم ردّ ما يُعتقد أنه مناقض لها، وهذا تحصينا من التأثر بالاتجاهات الفكرية الغربية، التي تؤلّه الإنسان، وتزن أحكام الدين وفق أهوائه وإدراكاته المحدودة (7).
إلا أنه ومع هذا كان يدعو إلى النظر في أسرار الشريعة، واستنباط مقاصد أحكامها وغاياتها، دون شطط ولا غلوّ، حيث يقول: والبحث عن العِلل والحكم مهمّ لمن استطاع إلى ذلك سبيلا، ولك كلّ الحق، فإن وقفت على الحكمة فحسن، وإن لم يطمئنَّ قلبك إلى حكمة فعليك بالامتثال
(8)
وقد كان هذا ديدنه في شرح الأحكام، وبيان حكمها ومقاصدها في التشريع، ولو كانت من مسائل العقيدة أو العبادات. أبيّن بعضها هنا اختصارا مع الإحالة إلى مظاتها لمن أراد التفصيل:
(1) الريسوني، أحمد الفكر المقاصدي قواعده وفوائده منشورات جريدة الزمن، الرباط، 1999 م، ص 44. (2) بيوض في رحاب القرآن، 9/ 26 - 27.
المصدر نفسه، 254/ 15.
(4) ينظر: المصدر نفسه.
(5) أي المكلف.
(6) الموافقات، 3/ 99 - 100.
(7) ينظر: بيوض: المصدر السابق، 255/ 15.
(8) في رحاب القرآن، 254/ 15.
197