منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي

الجزء ١ · صفحة ١٩٩

الفصل الثالث:

منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح

النجوم والأفلاك، ويدلّ على هذا قول الرسول]: «إنا أمَّةٌ أميّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُتُ (1) (2).

كما أنه يذهب إلى تعليل هذا الأمر من زاوية أخرى، وهي أنّ العرب كانت تعتمد في حساب الشهور على طريقة غير منضبطة؛ حيث يعدّون الشهر الذي يحمل رقما فرديًا في الترتيب ثلاثين يوما، والشهر الزوجي تسعة وعشرين يوما؛ فنظرا لاحتمالية هذه الطريقة وعدم مطابقتها للأمر الواقع، ألغاها النبي، وأرشدهم إلى طريقة مقاربة لليقين في حساب الأهلة وهي الرؤية، وهي غاية ما يمكن آنذاك، فلو وَجَد وسيلة أكثر تيقنا لاعتمدها، وفي هذا إرشاد للأمة من بعده لتتخذ أي وسيلة تكون أكثر ضبطا في حساب

الشهور

(3)

لكن ذهب جمهور العلماء إلى أنّ العمل بالرؤية حكم تعبدي، أي أنّ الشارع ربط دخول الشهر القمري بوجود الهلال حقيقة، وحدد طريقتين فقط لإثبات ذلك هما: الرؤية أو الإكمال (4)؛ فلا يصح اتخاذ أي وسيلة أخرى غير هاتين.

وقد ردّوا على التعليل بناء على قوله: «إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب»، بأنه لا يفهم منه كون عدم علمهم بالحساب هو سبب الاعتماد على الرؤية؛ بل هذا إعلام بأنّ الأمة لا تحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب، كما أن قوله ذاك خبر تضمن نهيا عن اتباع طرق الحساب في إثبات الشهر، وفي هذا يقول ابن تيمية: «قوله «إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب هو خبر تضمّن نهيا، فإنّه أخبر أنّ الأمة التي اتبعته هي الأمة الوسط أميّة لا تكتب ولا تحسب، فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم) (3). ومقصود ابن تيمية بذلك هو أنّ الأمة لا تحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب، فهو إما تسعة وعشرين يوما، وإما ثلاثين، ولا يعني أنّ الأمة لا تحتاج إلى علم الفلك مطلقا أو هو منهي عنه شر أما مقتضى القول بتعليل حكم الرؤية، هو الاعتماد على الحساب الفلكي مطلقا إذا أمكن، لكن يبدو أنّ الشيخ بيوض اعتبر هذا مسلكا صعبا، قد يؤدّي إلى تجاوز النصوص الصريحة، وردّ ما هو مقصود

(1)

صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي] لا نكتب ولا نحسب»، رقم: 1814، 675/ 2. صحيح مسلم، کتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال، رقم: 2563، 3/ 123. (2) ينظر: بيوض درس الحساب الفلكي، حلقة 2. (3) ينظر المصدر نفسه.

(4) ينظر: بكر بن عبد الله أبو زيد: فقه النوازل، ط 1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1416 هـ-1996 م، 2/ 195.

(5) مجموع الفتاوى، 92/ 25.

(6) ينظر: المصدر نفسه، 25/ 96.

﴿199﴾