منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٠مدخل مفاهيمي
نتائج».
وممن أشار من العلماء السابقين إلى هذين القسمين من الاجتهاد الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات، حيث نوه بكون تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع نوعا من الاجتهاد في الشريعة، وفي هذا يقول: الاجتهاد على ضربين: أحدهما: لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف، وذلك عند قيام الساعة، والثاني: يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا. فأما الأوّل؛ فهو الاجتهاد المتعلّق بتحقيق المناط (1) ( … ) ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله» (2).
فالشاطبي يعتبر أنّ عمليّة تطبيق الأحكام على الوقائع الجزئية لابدّ فيها من الاجتهاد، ويبدو أنّ هذا الاجتهاد يتأكد أكثر عند تشابك القضايا، وتعقد الحوادث؛ حيث يجب على الفقيه تنزيل الأحكام على محالها المناسبة، والتحقق في مدى انطباق مناط الحكم على النازلة؛ وهذا ـ كما يقول الشاطبي ـ «لأنّ كلّ صورة من صوره النازلة نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدّم لها نظير، وإن تقدّم لها في نفس الأمر فلم يتقدّم لنا؛ فلابد من النظر فيها بالاجتهاد، وكذلك إن فرضنا أنّه تقدّم لنا مثلها؛ فلابد من النظر في كونها مثلها أو لا، وهو نظر اجتهادي أيضا» (3).
ويجلّي الدريني أهمية هذا النوع من الاجتهاد وفاعليته في الحياة بقوله: «وليس الاجتهاد في التفهم والاستنباط بأولى من الاجتهاد في التطبيق، إن لم نقل إنّ قيمة الاجتهاد عمليا إنما تنحصر فيما يؤتى من
(5)
(4)
ثمرات في تطبيقه، تحقق مقاصد التشريع وأهدافه في جميع مناحي الحياة). ونظرا لأهمية هذا النوع من الاجتهاد اعتبره الشاطبي أمرا لابد منه لكلّ ناظر وحاكم ومفت وخلاصة ما تقدّم أنّ الاجتهاد قسمان: استنباطي، وتنزيلي، وكلّ له منهجه وآلياته. ووفق هذا التقسيم تناولت منهج الاجتهاد عند الاجتهاد عند الشيخ بيوض.
وهذا التقسيم يؤكّد عدم اختصاص اسم المجتهد بمن بلغ درجة الاجتهاد المطلق، ـ وإن كانت
(1) ينظر تعريف "تحقيق "المناط" وعلاقته بالاجتهاد التنزيلي في الفصل الثالث من هذا البحث، ص 211. (2) الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى: الموافقات تح مشهور بن حسن آل سلمان ط.1، دار ابن عفان، الخبر-المملكة العربية السعودية، 1417 هـ - 1997 م، 11/ 5 - 12
(3) المصدر نفسه، 14/ 5.
(4) الدريني: المناهج الأصولية، ص 5. (5) ينظر: الشاطبي الموافقات 16/ 5
(20)