منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧الفصل الثالث:
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
المبحث الثاني: منهجه في التنزيل
تمهيد: حول علاقة الاجتهاد في التنزيل بالاجتهاد في الاستنباط وأهميته:
إن حقيقة الدين تتجلّى في مدى التزام المسلم بأحكامه فكرا وسلوكا، وتفعيل مبادئه في الحياة، وتوجيهه للواقع الإنساني في شتى مجالاته، ولتحقيق هذه الغاية لابد أن يمر التطبيق الفعلي لأحكام الدين عبر مرحلتين أساسيتين هما:
:أولاً: مرحلة الفهم والاستنباط وتتجلّى في اجتهاد العقل الفقهي في تفهم مراد الشارع، واستثمار
أحكامه من النصوص، وفق آليات مضبوطة ومناهج مرسومة، تتمثل في قواعد علم أصول الفقه. ثانيا: مرحلة التنزيل: وتعني تطبيق تلك الأحكام المستنبطة، والمقرّرات النظرية على الوقائع الجزئية، التي تنتاب الفرد والجماعة في كل عصر وبيئة بما يحتفّ بها من ظروف وملابسات متجدّدة ومتغايرة، مع التبصر الواعي بمآلات التطبيق، ونتائجه المتوقعة (1).
لذلك كانت هذه المرحلة مكملة لمرحلة الفهم، حيث تبلغ بالدين إلى الغاية من نزوله، وهو صيرورة
(2)
حقائق الشريعة إلى نمط عملي شامل تجري عليه حياة الإنسان في الواقع، وفق نظام رشيد متكامل،
مثمر لسعادتي الدنيا والآخرة.
وهنا تكمن أهمية الاجتهاد في التنزيل، إذ تتعلّق به ثمرات التشريع الإسلامي كله، ومقصد الشارع
من إنزال الشريعة، لتدبير الحياة على وجه الأرض
(3)
كما تبرز الحاجة إلى هذا النمط الاجتهادي كلّما تعقدت الحياة، وكثرت الوقائع والأحداث، وتشعبت عناصرها، مما يستدعي ذلك نظرا مستمرا، يوفّق تلك الصور المتجدّدة إلى هدي الشريعة، بحيث يكون قائما على أصول وقواعد منضبطة، تحقيقًا للمقاصد التي شرعت من أجلها الأحكام، واتقاء لمزالق التطبيق،
(1) ينظر: الدريني، محمد فتحي بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، ط 1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1414 هـ-
35/ 11994
(2) ينظر: النجار: فقه التدين، ص 83.
(3) ينظر: المرجع السابق، 1/ 181.
207 -