منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢١١الفصل الثالث:
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
مرتبطا بدليل القياس فقط، على غرار تعريف الشاطبي، فإنه عامّ لكلِّ صُوَر تحقيق المناط، سواء ما تعلّق
بتحقيق مضمون الحكم الشرعي في الجزئيات، أو ما تعلّق بتحقيق علة الأصل في الفرع.
لذلك نجد ابن قدامة ينحو مذهب التفصيل في التعريف، حيث فرّق بين نوعين من تحقيق المناط: أما النوع الأوّل فهو المتعلّق بتحقيق معاني الأحكام والقواعد العامة في محالها المناسبة، حيث عرّفه بقوله: ومعناه أن تكون القاعدة الكلّية متفقا عليها، أو منصوصا عليها، ويجتهد في تحقيقها في الفرع» (1). وقد اعتبر ابن قدامة أنّ هذا الاجتهاد متفق عليه، كما أنه ليس من باب القياس؛ لأنه ضروري لكل شريعة، حيث يستحيل التنصيص على حكم كل صورة جزئية تقع)
(3)
لهذا نجد الشاطبي يعتبر هذا الاجتهاد لابد منه في كل زمان إلى قيام الساعة، إذ لا يمكن حصول التكليف إلا به، فلو فرض التكليف مع إمكان ارتفاع هذا الاجتهاد لكان تكليفا بالمحال أما النوع الثاني، فعبّر عنه ابن قدامة بقوله: «ما عُرِف علّة الحكم فيه بنص أو إجماع فيبين المجتهد
وجودها في الفرع باجتهاده (4)، وقد عدّه من القياس الجلي.
6
والخلاصة أن تحقيق المناط إذا أطلق يُراد به معنيان:
الأوّل: تحقيق وجود العلة ـ سواء كانت منصوصة أو مستنبطة ـ في الفرع.
الاقتيات
ويمكن التمثيل له بما يأتي: إذا كانت علة ربا الفضل في المطعومات ـ عند المالكية ـ هي والادخار، فيبحث في تحقق هذه العلة في ما لم ينص عليه كالأزر مثلا، فإذا ثبت وجودها في الفرع أُلحق
بالأصل في الحكم.
الثاني: تحقيق مضمون حكم شرعي منصوص عليه أو معنى قاعدة كلية في الجزئيات. مثاله: إنّ الشارع ربط إعطاء الزكاة بأوصاف منها الفقر، فإذا كان الفقير محلّ إعطاء الزكاة، فيجب النظر في تحقيق وصف الفقر ـ وهو المناط ـ في كل شخص بعينه.
وكما هو ملاحظ، فتحقيق المناط اجتهاد دائم ومستأنف في كلّ، واقعة حيث لا يُستغنى فيه بالتقليد؛
(1) ابن قدامة روضة الناظر وجنّة المناظر، ط.1، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، 1401 هـ-1981 م، ص 146. (2) ينظر: المصدر نفسه، ص 146. وبمثله صرّح الغزالي في المستصفى، ينظر: 2/ 329.
(3) الشاطبي: الموافقات، 5/ 17 - 18.
(4) ينظر: روضة الناظر، ص 146.
﴿211﴾