منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢١٢الفصل الثالث:
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
لأنّ كل صورة من صور الحكم نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدّم لها نظير، فلا بد إذن من الاجتهاد في تحقيق
مناط الحكم فيها (1).
أما المقصود بالدراسة هنا فهو المعنى الثاني، وفيه نبيّن تطبيقاته عند الشيخ بيوض.
ثانيا: مسلك تحقيق المناط عند الشيخ بيوض:
إذا كان تحقيق المناط يمثل العملية الإجرائية لتطبيق أحكام الشريعة على الوقائع غير المنحصرة، فإنّ مهمة الإفتاء من أهم الوظائف التي يتم فيها إعمال هذا المسلك التنزيلي؛ ذلك أن المفتي يبحث عن الحكم الشرعي المناسب للنازلة؛ وإذا كان الشيخ بيوض قد تقلد منصب الإفتاء، فإنّ اجتهاده في تحقيق مناطات الأحكام، سيكون ظاهرا في فتاويه، وعليه فما هو مدى سداد هذا الاجتهاد عنده؟، وما هو الجديد الذي يمكن أن يضيفه من خلال هذه التجربة الإفتائية؟
أ. تطبيقات على مسلك تحقيق المناط:
ستكون المادة التي ينطلق منها البحث في هذه الجزئية هي فتاوى الشيخ بيوض، باعتبارها المصدر
الأساس لتطبيقات هذا المسلك عنده؛ لهذا أورد جملة من فتاويه مع محاولة التحليل والاستنتاج.
على أنه من الجدير الإشارة إلى أنّ الشاطبي قسم الاجتهاد بتحقيق المناط إلى نوعين: عام وخاص، وهو التقسيم الذي اتبعته في الدراسة، حيث جزأت التطبيقات إلى ما يتعلق بتحقيق المناط العام، وأخرى
تتعلّق بالمناط الخاص.
1 - تحقيق المناط العام:
وهو الذي عناه الشاطبي بقوله: «أحدهما ما يرجع إلى الأنواع لا إلى الأشخاص، كتعيين نوع المثل في جزاء الصيد، ونوع الرقبة في العتق في الكفارات» (2)، ثم يزيد توضيحا لهذا النوع من المناط بقوله: وذلك أن الأول (3) نظر في تعيين المناط من حيث هو لمكلف ما، فإذا نظر المجتهد في العدالة مثلا، ووجد هذا الشخص متصفا بها على حسب ما ظهر له أوقع عليه ما يقتضيه النص من التكاليف المنوطة
(1) ينظر: الشاطبي: الموافقات، 14/ 5.
(2) المصدر نفسه، 23/ 5.
(3) أي تحقيق المناط العام.
212)