منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢١٤منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
الفصل الثالث: تحقيق المناط؛ ذلك أنّ اختلاف أحوال المكلفين - كما قرّر ذلك ـ له أثر في تنزيل الأحكام الشرعية على محالها المناسبة، وإلا جانب المفتي الصواب، ونأى عن التطبيق الصحيح للأحكام، ولم تحقق المقاصد التي شرعت من أجلها؛ لذا وجب هنا النظر في حالة كلّ مكلّف، وهو الاجتهاد بتحقيق المناط الخاص؛ أو بيان المناط العام للحكم الشرعي، وما على المكلّف إلا النظر في حالته وإجراء ما يناسب ذلك من الحكم، مثلما ذكره الشيخ بيوض في المثال السابق، وهو اجتهاد بتحقيق المناط راجع إلى المكلّف، كما أشار إليه الشاطبي في الموافقات (1).
وفيما يلي بيان جملة من التطبيقات الفقهيّة على أصل تحقيق المناط العام عند الشيخ بيوض: 1 - يذهب الشيخ بيوض إلى أنّ الآلات والأجهزة التي يستعملها الإنسان، لا يمكن أن تكون بذاتها محلاً للحكم عليها بالتحليل أو التحريم؛ ذلك أن مناط الحكم فيها إنّما يرجع إلى طريقة استعمالها، وفي هذا يقول: «فإنّ جميع الآلات التي بين أيدينا يمكننا أن ننفع بها وأن نضر، فسيفك تقتل به مشركا فتسعد، أو تقتل به مسلما فتشقى، وقلمك تكتب به حقا أو تكتب به باطلا، وهكذا كلّ ما لا يعدّ ولا يحصى مما سخّره الله لنا من آلات وأدوات وأجهزة وغير ذلك، وقد قال الله لنا: هُوَ الذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جميعًا} (البقرة: 29). فالاستعمال هو موضوع الحكم ومناطه» (2).
الآلات
يلاحظ من خلال هذا النصّ المنهج العام الذي اعتمده الشيخ بيوض في التعامل مع جنس مهما استجدت؛ حيث إنّ مناط الحكم في الآلة ليس هو ذاتها، إنّما هو طريقة استعمالها، لذا فإنّ الحكم فيها بالحل أو الحرمة مرتبط بتوظيف الإنسان لها في الخير أو الشر، وفي النفع أو الضر.
وإنّ هذا المنهج قد مكنه من مواكبة الجديد في ميدان الاختراعات، وقدرة استيعابها بأحكام الشريعة الإسلامية، حيث ورد إليه سؤال حول حكم اقتناء جهاز التلفزيون واستعماله، باعتباره آلة حديثة في ذلك الوقت (3)، فأجاب بما يأتي: «إنّ التلفزيون كغيره من كثير من مخترعات العصر الحاضر، له حسنات
وسيئات، ومنافع ومضارّ، فلا يمكن مطلقا أن يفتى فيه بحكم عام شامل ( … ) إنما الأمر يرجع إلى طريقة
استعماله» (4)
(1) ينظر: الموافقات، 16/ 5 - 17. (2) الفتاوى 736/ 2
(3) تاريخ الفتوى هو: 24 أفريل 1968 م.
(4) المصدر نفسه، 2/ 735 - 736.
(214)