منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢١٦الفصل الثالث:
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
بالسمك وبالبيض وباللبن ومشتقاته، مع الخبز والفاكهة والثمار، فتعيش موفور الصحة، كامل القوّة في البدن والعقل» (1).
فقد لاحظ الشيخ بيوض أنّ مناط القاعدة الفقهية - وهو الضرورة - غير متحقق في هذه الحالة؛ ذلك أنّ من ضوابط الضرورة الشرعية تعيّن ارتكاب المحظور، حيث لا يجد المضطر وسيلة أخرى من
الوسائل المشروعة، ليدفع بها الضرر عن نفسه)، في حين أنّ ذلك الطالب يمكن له أن يترك ما حرم أكله، (2).
ويطعم من الحلال وهو كثير جدا؛ لذلك لا ينطبق عليه حكم القاعدة وهو الإباحة نظرا لعدم تحقق المناط. إذن، فللضرورة ضوابطها وأحكامها الشرعيّة، ويجب على المفتي أن يكون عالماً بها، حتى يتمكن
عند النظر في الصور الجزئية - من التمييز بين ما هو ضرورة حقا، وما هو حاجة أو توسعة أو غير ذلك. 3 - تُعدّ مسألة الرشوة من المسائل الشرعيّة التي تتعدّد صورها في كل زمان ومكان، حيث يتطلّب من المفتي الاجتهاد في تحقيق مناطها في تلك الصور، والتمييز بينها وبين الأسماء المشابهة. وقد سئل الشيخ بيوض عن حكم دفع المسلم مالاً لذي سلطان ليتمكن من أخذ حقه، فأجاب بأنّ حرمة الرشوة متعلقة بما إذا أريد بها التوصل إلى أكل أموال الناس بالباطل، مستدلاً بقوله تعالى: وَلاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَاكُلُوا فَرِيقًا مِّنَ اَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 188) ومحاولة لضبط مناط حكم الرشوة، نبين مفهومها الاصطلاحي عند الفقهاء، حيث تُعرَّف بأنها: «ما
(4) يُعطى لإبطال حقٌّ، أو لإحقاق باطل
(3) (188:54))
فإذا لم يتمكن المرء من الوصول إلى حقه إلا بدفع مال فهل يُعتبر مرتشيا تلحقه اللعنة (5)؟ يذهب الشيخ بيوض إلى أنّه لا إثم على المعطي في هذه الحالة، بشرط تيقنه من عدم التوصل إلى أخذ حقه إلا بدفع المال، وفي هذا يقول: «وأمّا إذا كان لرجل على آخر حق يقيني لا يرتاب فيه، وامتنع من
(1) المصدر نفسه.
(2) ينظر الزحيلي وهبة نظرية الضرورة الشرعية، ط.4، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1405 هـ-1985 م، ص 69. (3) ينظر بيوض: الفتاوى، 2/ 720. (4) الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، 220/ 22 وينظر: قلعه جي: معجم لغة الفقهاء،
ص 223.
(5) في هذا إشارة إلى حديث: «لعن رسول الله] الرَّاشِي والمرتشي». سنن أبي داود، كتاب الأقضية، باب في كراهية الرشوة، رقم: 3582 3263 سنن الترمذي، كتاب الأحكام، باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم، رقم:
1337، 623/ 3، وقال: حديث حسن صحيح.
(216)