منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢١٨الفصل الثالث:
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
بالنفس من القواعد الشرعية الكلية (1).
وإذا كان الدخان قضيّة مستجدّة، لم يرد في خصوصه نص صريح في الحرمة، كما ورد في شأن الميتة والخنزير والخمر وغير ذلك؛ فقد اجتهد الشيخ بيوض في المسألة، وحاول تطبيق النصوص العامة والقواعد الكلية عليها، عن طريق تحقيق المناط، ويمكن بيان المسالك التي اعتمدها في التحقيق في هذه
المسألة فيما يلي:
أ- أما اعتباره الدخان من الخبائث المحرّمة في آية سورة الأعراف، فقد اعتمد على دليل الفطرة والعقل؛ حيث يرى أن الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها لا تضع الدخان إلا في صف الخبائث التي حرمها الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، ولا تقترب به مطلقا إلى صف الطيبات» (2).
-
إذا فوصف الخبث ثابت في الدخان بالفطرة، وإذا كان مناط التحريم في الآية السابقة هو قيام وصف الخبث في الشيء، فثبت إذن دخول الدخان تحت حكم الآية؛ إلا أن دليل الفطرة في هذه القضية خفي نوعا ما، لذلك يمكن أن يتنازع فيه، لكن يمكن إثبات دخول الدخان تحت عموم الآية بطريق آخر وهو الحس. ب إذا سُلَّم أنّ كلّ ما ثبت ضرره بوجه من الوجوه فهو من الخبائث المحرمة، فقد ثبت حسّيّا إضرار الدخان بالإنسان، كما أكدت ذلك التقارير الطبية، ويعدّ هذا (أي طريق الحسّ) من أقوى الطرق التي اعتمدها الشيخ في تحقيق المناط، حيث يقول: «وقد أجمع عقلاء العالم كله، وسالمو الفطرة فيه من العلماء المختصين على أنه مضر بصحة البدن والعقل والقلب، ومن أعظم أسباب سرطان الرئة وغيرها» (3)، وبعد عد أن ذكر ما يُنشَر في وسائل الإعلام العالمية حول أضرار التدخين، اعتبر أنّ المرء ليس بحاجة إلى كلّ هذه المعلومات ـ وإن كانت تزيده يقينا واطمئنانا؛ لأنّ ذلك أمر محسوس مسلم به لدى
(4)
عموم الناس إذن، لقد ثبت عند الشيخ إضرار الدخان بالنفس بطريق الحس، سواء أكان ذلك عن طريق الملاحظة المباشرة، أم عن طريق الحقائق العلميّة؛ لهذا طبّق عليه النصوص والقواعد التي تقرر حرمة الإضرار نظرا
لتحقق مناطها.
(1) ينظر بيوض: الفتاوي، 2/ 682 - 683.
(2) المصدر نفسه، 2/ 683.
(3) المصدر نفسه، 684/ 2. (4) ينظر: المصدر نفسه، 684/ 2.
218)