منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢١٩الفصل الثالث:
ج-
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
استدل الشيخ على حرمة الدخان أيضا بقوله تعالى: وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ (الإسراء: 26 - 27)؛ حيث اعتبر التدخين من التبذير المنهي عنه في الآية، «ذلك أننا نعلم علم اليقين أن ما ينفقه المدمن على التدخين في اليوم الواحد أكثر من ثمن الخبز اليومي لأسرة متوسّطة مع قلة جدواه بالنسبة للخبز، ومع ضرره البالغ، وكفى بهذه حجّة على دخول صاحبه في زمرة المبذرين» (1). فلقد تحقق بالملاحظة المباشرة في الواقع تبذير المدمن على عادة التدخين لأمواله، وتضييعه لمن يعول أهله وأولاده، ويعتبر هذا من المفاسد التي تخرم كلّية حفظ المال، لهذا ينبه الشيخ القرضاوي إلى «أنّ في التدخين نوعا من الضرر يجب ألا يغفل، وهو ضرر يقيني لا شك فيه وهو الضرر المالي، وأعني به إنفاق المال فيما لا ينفع بحال، لا في الدنيا ولا في الدين، ولا سيما مع غلاء أثمانه، وإسراف بعض هواته فيه، حتى إن أحدهم قد ينفق فيه ما يكفي لإعاشة أسرة كاملة» (2).
من
يمكن القول إنّ طرق تحقيق المناط التي اتخذها الشّيخ بيوض في التنزيل ـ من خلال هذا المثال ـ ثلاثة تتمثل في: الفطرة، والحسّ، والعلم بواقع الحال، على أنّه يمكن أن يندرج هذا الأخير في دليل الحسّ؛ لأنّ العلم بالواقع يتم عن طريق الحس، والله أعلم.
ويمكن أن يضاف إليها طريق آخر وهو العلم بطبيعة الشيء، ويتمثل في مثال الخل السابق الذكر، حيث يتوقف التيقن بزوال وصف الإسكار، عن ذلك السائل ومفارقته للخمر بالوقوف على طبيعة تكوينه
الكيماوي، ومغايرته للتركيبة الطبيعية للخمر.
2 - تحقيق المناط الخاص:
وعبّر عنه الشاطبي بقوله: «فتحقيق المناط الخاص نظر في كلّ مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية، بحيث يتعرّف منه مداخل الشيطان، ومداخل الهوى، والحظوظ العاجلة، حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلّف مقيّدة بقيود التحرّز من تلك المداخل
(3)
حسب عبارة الشاطبي يتضح أنّ هذا النوع من التحقيق أعلى من الأوّل وأدق؛ ذلك أنّ المفتي ينظر مع استحضار ظروفه وأحواله، وكذا خصوصيات فعله؛ حيث إنّ بمراعاته لهذه الحيثيات
في فعل المكلّف
(1) المصدر نفسه، 687/ 2
(2) القرضاوي، يوسف: فتاوى معاصرة، ط.11، دار القلم الكويت 1425 هـ-2005 م، 664/ 1. (3) الموافقات، 24/ 5 - 25
﴿219﴾