منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠الفصل الثالث:
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
في الاجتهاد، يُجري على كلّ مكلّف ما يناسبه من الحكم، بناء على أنّ ذلك هو مقصود الشارع من التكليف. على أنّ هذا النوع الخاص من التحقيق لا يعتمد فيه المفتي على طاقاته العقلية، وملكته الفقهية فحسب، بل لابد أن يكون على درجة من التقوى والإخلاص؛ لأنّه نوع من الفهم الرباني الذي له أسبابه وشروطه، وصحة الفهم في الشريعة - كما يقول ابن القيم: نور يقذفه الله في قلب العبد، يميّز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حسن القصد، وتحرّي الحق، وتقوى الربّ في السر والعلانية» (1)، وقد قال الله تعالى في محكم تنزيله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا} (الأنفال: 29).
وعن مميزات أهل هذه المرتبة يقول الشاطبي: فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف به النفوس ومراميها وتفاوت إدراكها، وقوّة تحمّلها للتكاليف وصبرها على حمل أعبائها، أو
ضعفها، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة، أو عدم التفاتها
ونمثل لهذا النوع من النظر عند الشيخ بيوض بما يلي:
(2)
سئل الشيخ عن كيفية ردّ المظالم لمن أراد التوبة منها، فأجاب بأنّ المظالم أنواع منها: مظالم البدن، ومظالم العرض، ومظالم المال، وكلٌّ لها أحكام خاصة، كما تختلف باختلاف أحوال المكلفين، والظروف التي تحتف بالواقعة (3).
وقد بيّن بعض تلك الأحوال، وما يجب على المكلف إزاءها، والتي يراعى فيها النظر في المآلات. وغير ذلك، على أنّه أرشد السائل في الأخير إلى أنّ بعض صور المظالم مما «لا يتأتى فيه حكم عام، وإنّما يحكم فيه في القضايا الجزئية العارضة كلّ بحسبها لاختلاف صورها» (4).
يلاحظ أن التوبة وما يُعرَض فيها على المفتي من الصور والحوادث مما يجب فيه تحقيق المناط الخاص، مع مراعاة المقاصد والمآلات، إضافة إلى العلم بأحوال القلوب، وأغراض النفوس.
(1) إعلام الموقعين، 2/ 164 - 165. (2) الموافقات، 25/ 5
(3) ينظر بيوض: الفتاوى، 2/ 664.
(4) المصدر نفسه، 666/ 2. ونشير إلى أن السائل ممن يتولى مهمة حل القضايا الاجتماعية والمسائل الشخصية في مجتمعه، لذلك نلاحظ الشيخ بيوض يرشده إلى بعض الأسس ويدلّه على المعالم التي يجب السير وفقها في هذا المجال.
(220)