منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٢منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
الفصل الثالث: العمل معتبر في الحكم على الأفعال بالجواز أو المنع، وفي التصرفات بالصحة أو البطلان، «فالعمل إذا تعلّق به القصد تعلقت به الأحكام التكليفية، وإذا عرى عن القصد لم يتعلق به شيء منها» (1). فصورة العمل تكون واحدة من حيث الظاهر، لكن يختلف حكمها بحسب القصد والنية، كما مثل بذلك الرسول] في
حديث إنّما الأعمال بالنيات (2)، بالهجرة إلى المدينة، حيث فرّق بين من قصد بها غايات سامية، ومن أراد بها تحقيق أغراض دنيوية.
ويوضّح ابن القيّم هذه القاعدة الشرعيّة وأثرها في الفقه الإسلامي بقوله: «وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها أنّ المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرّفات والعبارات كما هي معتبرة في التقرّبات والعبادات؛ فالقصد والنيّة والاعتقاد يجعل الشيء حلالا أو حراما، وصحيحا أو فاسدا، وطاعة أو معصية، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو مستحبّة أو محرمة أو صحيحة أو فاسدة» (3).
فنظرا لأهمية الباعث وأثره في الحكم على الأفعال، وجب على المجتهد مراعاة قصد المكلّف عند تنزيل الأحكام، حتى يكون تطبيقها سديدا، محققا لمقاصدها، وينزّه الشريعة عن التضاد في أحكامها. ومِنْ أشهر مَنْ نوّه بهذا المبدإ الإمام الشاطبي في الموافقات، حيث صاغ هذه القاعدة المقصدية
الجليلة بقوله: «قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع» (4).
،
أما عند الشيخ بيوض فنجد هذا المبدأ واضحا في منهجه الاجتهادي، سواء ما تعلّق بالعبادات أو المعاملات، وقد ذُكر طرف منه عند دراسة القواعد الفقهية، وبالضبط في قاعدة: «الأمور بمقاصدها» (5) حيث كان كثيرا ما ينوه في دروسه بأهمية قصد المكلَّف وأثره في التكليف؛ فأما من حيث تكاليف العبادات فيصرح قائلا: «فليست الصلاة والزكاة والصوم وغيرها من الأعمال الصالحات محققة مَعْنَى العبادة وروحها، ما لم يكن المراد منها وجه الله وامتثال أمره»، ثم يبيّن وجه التفاوت بين مسلمين في العبادة بسبب النية، فيقول: «ولعلَّ كثيرا من النَّاس يؤدُّون أعمالا ظاهرها طاعة الله وامتثال لأمره، ولكن لا يقصدون بها طاعة الله وطاعة رسوله، فتذهب أعمالهم هباء منثورا. بينما الآخر قد يأتي بالأعمال المباحة من أكل وشرب
(1) الشاطبي: الموافقات، 9/ 3.
(2) تقدم تخريجه في ص 173. (3) إعلام الموقعين، 4/ 499 - 500.
(4) المصدر السابق، 23/ 3. (5) ينظر: في هذا البحث، ص 172.
﴿222﴾ -