منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٢٣

الفصل الثالث:

منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح

ونوم ويؤجر عَلَيْهَا إذا نوى بها التقوِّي عَلَى عبادة الله ( … ) فالفرق بين هَذَا وَذَاكَ هو النية وعدمها، وَهَذَا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قوله: «إِنَّمَا الأعمال بالنيات، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرئ ما نوى (1) وَهَذَا ما نعتقده، ونكرّر الكلام فيه

دائما، لأنه روح العبادة وروح الدين». وختام كلامه يدلّ على أهمية هذا المبدإ في فكره الفقهي.

أما في باب المعاملات فالأمر فيه ظاهر أيضا؛ حيث إنّ قصد المكلف معتبر في إنشاء التصرفات،

وإبرام العقود، ويذهب الشيخ بيوض إلى أنّ الأصل في العقود بين المسلمين أن يكون باطنها كظاهرها

(2)

خالية من الكيد والمكر والحيلة، فإن دخلها شيء من ذلك أفسدها قطعا عند الله، وفي كثير من الصور تفسد في الحكم كذلك» (3)

وفي مسألة تصرف الوكيل في مال اليتيم، وانطلاقا من قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ (البقرة:220)، يحذر الشيخ من التلاعب بأموال اليتامى، وأكلها مخادعة وتمويها؛ حيث يبدو من الظاهر أنّ في ذلك التصرف مصلحة لليتيم، ولكنّه في الباطن أكل لماله بغير حق، وفي هذا يقول: «الله تعالى يعلم المفسد من المصلح، وهو يحذرنا من سوء القصد، إذ ربَّما يتصرف أحد في مال يتيم تصرفا فاسدا يصوره للنَّاس صلاحا، والله تعالى يعرف ما إن كان قصده مصلحة اليتيم أو العكس

كما نجد هذا الأصل حاضرا عنده في العملية الإفتائية، ولبيان هذا نورد بعض آرائه الفقهية التي تبزر

هذا التوجه عنده، كما يلي:

1 - يذهب الشيخ بيوض إلى جواز تعدّد الجمعة في المصر الواحد مع مفضوليته، إذا وجد مسجد يسع جميع أهل البلد؛ لكنّه من جهة أخرى نجد في فتواه اعتبارا للباعث إلى التعدّد، حيث يرى أنه إذا قصد بالتعدد الضرار وإحداث الفتنة والشقاق والتفريق بين المؤمنين، فيحرم بذلك» (5).

إذن، فالنظر إلى قصد المكلف مؤثر في الحكم؛ حيث إنّ القول بالجواز صحيح ما لم يظهر في الواقع قصد مخالف لقصد الشارع من هذا الحكم؛ فإنّ من مقاصد تعدّد المساجد تكثير الجمع، وتيسير إقامتها على المؤمنين، لكن إذا اتَّخِذ هذا الأمر وسيلة لتحقيق غرض آخر وهو التفريق بين المؤمنين، فإنّ هذا عمل

(1) تقدم تخريجه، ينظر ص 173.

(2) يقصد بالفساد هنا عدم اعتبار الشارع لها من حيث الحقيقة مع وقوع الإثم، لأنّه أعلم بخفايا القلوب ومكنون الصدور.

(3) الفتاوي، 487/ 2 - 488. (4) في رحاب القرآن، 336/ 2 (5) المصدر السابق، 1/ 129.

223}