منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٤الفصل الثالث:
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
باطل، لمناقضته قصد الشارع في خصوص هذا الحكم من جهة، ومناقضته مقصدا عاما من مقاصد الدين وهو وحدة الأمة من جهة أخرى.
2 سئل الشيخ عن حكم توفير شعر الرأس، فأفتى بعدم وجود دليل مانع ولا محرم في المسألة، ولكن اعتبارا لقصد المكلّف، أفتى بأنّه إذا كان ذلك من مظاهر أهل الفسق والكفر، وأراد بفعله التشبّه بهم، فإنّه عاص نظرا لنيته وقصده
(1)
فقد اعتبر هنا عموم النصوص الآمرة بمخالفة أهل الكفر، والتي تنهى عن التشبه بهم (2)، تمييزا لشخصية المسلم، وتحصينا من ذوبان، الذات وهذا ضرب من الاجتهاد بالنظر في الكليات، وإن لم يرد في خصوص الجزئيات نص شرعي.
3 - أما بالنسبة إلى العقود فقد جمع في الحكم بصحتها وبطلانها بين ظاهرها (الإرادة الظاهرة)، وبين النظر في نية العاقد (الإرادة الباطنة)؛ حيث يرى أنّ الأصل في العقد الصحة إذا توفرت فيه شروطه، ولم يظهر ما يدلّ على فساد نيّة أحد المتعاقدين.
(3)
ففي
عقد الهبة يرى أنّه إذا تمّ بشروطه فهو عقد صحيح، ما لم يقصد الواهب ظلم أحد، وأكل
حقه). أما في حالة وجود هذا القصد عند الواهب فما الحكم؟
على حسب الصور المستفتى فيها - وهذا من خلال كتابه "الفتاوى" - يتبيّن أنّ القاعدة العامة عند الشيخ بيوض هي: أنّ العقد إذا تمّ بشروطه، ولم يظهر أي قصد من أحد الطرفين مخالف لظاهر العقد، ولم توجد أمارات تفيد ذلك، فإنّه صحيح نافذ؛ حيث سُئِل عن زوج وهب أكثر ماله لزوجته وبنته وحفدته، فهل يحق للإخوة رفض هذه الهبة؟ فأجاب بقوله: «إذا كانت هذه الهبة بشروطها الشرعية في حياة الواهب في غير مرض موته، وقامت البيئة العادلة على ذلك فإنّ الهبة صحيحة ( .... )، فليس للأشقاء اعتراض مطلقا، وليس لهم إلا القبول بالأمر الواقع» (4).
(1) ينظر بيوض: الفتاوى، 647/ 2.
(2) من ذلك قوله تعالى: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُل إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِن اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصير} (البقرة: 120)، وقوله: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» رواه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة، رقم: 4033، 4/ 78. (3) ينظر: المصدر السابق، 485/ 2.
(4) المصدر السابق، 2/ 480.
(224)