منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦الفصل الثالث:
الحكم عليها من قبل المجتهدين» (1).
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
وهذا المبدأ جارٍ على أصل مراعاة الشريعة للمصالح؛ فإنّ الشارع الحكيم قصد من تشريع الأحكام تحقيق غايات معينة، إمّا جلب المصالح أو درء المفاسد، وما الحكم إلا وسيلة لتحقيق مقصد شرعي، لذا كان من صميم عمليّة الاجتهاد النظر في نتائج تطبيق الأحكام وتنزيلها على أفعال المكلفين، وكذا التحقق من آثار ذلك في الواقع، من أجل الحفاظ على مقاصد الأحكام، وإفضائها إلى غاياتها المشروعة. وفي هذا يقول الإمام الشاطبي: النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أنّ المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلاّ بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل» (2).
لذلك يعتبر مبدأ «النظر في المآل مسلكا من مسالك الاجتهاد في التنزيل، حيث لا يكتفي المفتي بمجرد حفظه للأحكام، وتطبيقها بصورة آلية على الوقائع النازلة؛ بل يتوجب عليه أن يكون فقيها بأحوال المكلفين، واعيا بملابسات الواقع، ومتغيّراته الزمانية والمكانية؛ حتى يتمكن من توقع نتائج التطبيق وآثار التنزيل، ثمّ الحكم على الأفعال بما يوافق مقاصد الشريعة.
ويحلّي الشاطبي أهمية هذا المبدإ في الاجتهاد التنزيلي، معتبرًا أنّ الفعل قد يكون «مشروعًا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق (3) القول في الأوّل بالمشروعية، فربّما أدّى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها؛ فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربّما أدّى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد؛ فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية» (4).
(1) السنوسي، عبد الرحمن اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات، ط.1، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، 1424 هـ، ص 22 - 23
(2) الموافقات، 177/ 5. (3) أي المجتهد. (4) المصدر نفسه، 177/ 5 - 178.
يلاحظ في هذا النص أنّ الشاطبي يعتبر أنّ الحكم على الفعل بالجواز أو المنع، أو بالتحليل والتحريم إنما يتبع آثاره التي تنتج عنه في الواقع من حيث المصالح والمفاسد، باعتباره أنّ الشارع لم يقصد في تشريع الأحكام ذائها، بل ما تحققه من مقاصد في الخارج، فالممنوعات تتبع المفاسد، والأحكام الجائزة تتبع المصالح الشرعية، لذلك كان لزاما على المجتهد أن يكون فقيها بالمقاصد حتى ينزل الشريعة وفق مرادات الشارع.
(226)