منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٣١

الفصل الثالث:

منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح

الواقع، بينها بقوله: ووضع مثل هذه الشواهد الرخامية المنقوش عليها اسم الميت وتاريخ وفاته فيه من

هذا

الشهرة ما نهت الشريعة عنه، وفيه بذل مال وإسراف، والناس مولعون بالتقليد والتنافس، فإذا فتح الباب أضر بالناس ضررا كبيرا، حتى يصبح العاجز منهم عن إقامة مثل هذا الشاهد عرضة للسخرية والاستهزاء» (1).

إذن، فالشيخ يميل إلى المنع من هذه العادة في المقابر، سدّا للذريعة. ويبدو أنه لاحظ بعض المفاسد الناتجة عنها في الواقع الاجتماعي، أو توقعها نظرا لمعرفته بأحوال الناس، وعاداتهم في مثل هذه المسائل. 4 - ومما يتصل بأحكام الجنائز أيضا، قول الشيخ إنّه لا يجوز أن يوصي المرء بشيء من المال للقائمين بشؤون الدفن، وحجته في هذا قاعدة سد الذرائع، حيث يقول: إذا كثرت مثل هذه الوصايا وتمادت فَإِنَّ الغسال أو المؤذن أو الإمام ينتظرون الوصيَّة، ليروا هل أوصى لهم الميت بشيء أم لا؟ فإن أوصى لهم قاموا بعملهم، وَإِلا فَإِنَّهُمْ يتركونه، ومثل هذه الوصية تفسد نيّة القائمين بشؤون الدين) ()

(2)

(3) ،

فالأصل في الوصيّة الجواز، والمسلم حرّ في أن يوصي لأي جهة خيّرة، لكن منعها الشيخ اعتبارا لما آل إليه الأمر من فساد نوايا العاملين، بزوال قصد الإخلاص في العمل، ولا شك أن فقدان الطاعة للنية الخالصة مانع من حصول الأجر والثواب.

كما أن الشيخ لم ينظر في هذه القضية إلى آحاد أفراد المجتمع، بل كان نظره متوجها نحو المجموع؛ وبيان هذا أنّ بعض الأعمال تكون جائزة إذا أدّاها المرء بمفرده لكن قد تصير غير جائزة، إذا انتشرت واتخذها الناس عادة، حتى اعتبروها أمرا واجبا، يُلام تاركها، بعد أن كانت جائزة في الأصل؛ فيُمنَع هذا الفعل اعتبارا لهذا المآل ومثله هذه الوصية، فإنّها في الأصل جائزة (وهو اجتهاد استنباطي)، لكن الشيخ نظر إلى مواقعها في الوجود، وتشخّصها في أفعال المكلفين وما ينتج عن ذلك من آثار تخالف المقصود الشرعي الذي شرعت من أجله، فأطلق القول بعدم المشروعية (وهو اجتهاد تنزيلي).

(4) ..

(1) المصدر نفسه، 2/ 624. (2) ينظر بيوض في رحاب القرآن، 172/ 17. (3) المصدر نفسه.

(4) قد ذكر الشيخ بيوض بعض المفاسد التي آلت إليها هذه الوصية في أوساط الناس ينظر: المصدر نفسه، 17/ 172 - 173.

(231)