منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٣٥الفصل الثالث:
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
لكن يمكن أن يلاحظ على هذا التعريف عدم ذكر سبب الترجيح أو مسوّغ مراعاة دليل المخالف، وهو اعتبار المصلحة والعدل في الأحكام وبه يتبيّن وجه علاقة هذا المسلك بأصل اعتبار المآل القائم على أساس اعتبار المقاصد.
وتوضيحا لصلة قاعدة مراعاة الخلاف" بالمصالح نورد نصًا للشاطبي يقول فيه: «فمن واقع منهيّا عنه، فقد يكون فيما يترتب عليه من الأحكام زائد على ما ينبغي بحكم التبعية لا بحكم الأصالة، أو مؤد إلى أمر أشدّ عليه من مقتضى النهي، فيترك وما فعل من ذلك، أو نجيز ما وقع من الفساد على وجه يليق بالعدل، نظرًا إلى أنّ ذلك الواقع وافق المكلّفُ فيه دليلا على الجملة، وإن كان مرجوحًا؛ فهو راجح بالنسبة إلى إبقاء الحالة على ما وقعت عليه؛ لأنّ ذلك أولى من إزالتها مع دخول ضرر على الفاعل أشدّ من مقتضى النهي، فيرجع الأمر إلى أنّ النهي كان دليله أقوى قبل الوقوع، ودليل الجواز أقوى بعد الوقوع، لما اقترن [(به)] من القرائن المرجحة» (1).
إذن، فقاعدة مراعاة الخلاف تمثل مسلكا من مسالك اعتبار المآل الذي يتوخى المصالح الشرعية؛ حيث يلاحظ المجتهد أنّ الاستمرار على الحكم الراجح عنده في المسألة الواقعة مؤد إلى مفاسد أو مفوّت لمصالح في المآل، مع ملاحظة أنّ الشارع قصد في التكليف بأحكام الشريعة تحقيق مصالح للعباد؛ لهذا فإنّه يعدل عن اجتهاده الأصلي، إلى اجتهاد غيره لما فيه من تحقيق للمصلحة الراجحة.
وعَمَلُ المجتهد بهذه القاعدة هو مقتضى الاجتهاد المالي؛ حيث لا يحكم على الفعل إلا بعد النظر إلى
ما يؤول إليه في الواقع، مع إعمال ميزان المصالح والمفاسد.
ويجلّي السنوسي أهمية هذه القاعدة، وعلاقتها بالمقاصد بقوله: «إنّ الغاية النوعية التي تستهدفها مراعاة الخلاف بعد الوقوع؛ هي تلافي آثار المفسدة، والعمل على تحقيق المصلحة النوعية التي تختص بذلك الحكم؛ حتى وإن شيب تحصيلها بشيء من المفاسد التي لا تنفك عن بعض أحوال هذا الجلب، لما علم من تصرفات الشريعة المعصومة من إيثار الجهة الغالبة أو الراجحة على ما يقابلها، وبناء على أن المصالح الخالصة والمفاسد الخالصة نادرة التحقق في الوجود» (2).
ويمكن بيان إعمال الشيخ بيوض لقاعدة مراعاة الخلاف من خلال هاتين المسألتين:
(1) الموافقات، 5/ 190 - 191.
(2) اعتبار المآلات، ص 337.
(235)