منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٣٨

الفصل الثالث:

زوجته بعد ذلك» (1).

منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح

فالحكم الأصليّ عند الشيخ أنّها تحرم عليه طبقا لما عليه الفتوى في مذهبه، إلا أنه راعى خلاف جمهور العلماء في هذه المسألة، ومنهم الإمام مالك (2)، فأفتاه بقولهم؛ باعتباره الرأي الأنسب لمقصد التيسير والتخفيف عن السائل، ولو أفتاه بمذهبه الأصلي لأوقعه في الحرج والمشقة، كما رأى أنّ عمل الرجل بفتوى بعض العلماء اقتضى الترخيص له في الحكم.

هذا، ويظهر من خلال هذين المثالين نظرة الشيخ إلى المذاهب الإسلامية، التي تتميز بروح التسامح، وعدم الضيق ذرعا بالخلاف الواقع بينها في الفروع الفقهية، بل يعتبر ذلك موردا ثريا لتطبيق شرع الله، وميدانا رحبا لانتقاء الأحكام الملائمة لكلّ ظرف وواقعة واختيار ما كان أحسن من حيث العدل، وأنسب لمقاصد الشريعة.

تبين لنا من خلال ما سبق اهتمام الشيخ بيوض بأصل اعتبار المآل"، وذلك من خلال آرائه واجتهاداته الفقهية، حيث يعدّ أصلا هاما من أصول الاجتهاد المقاصدي. وقد أفادت هذه التجربة الاجتهادية من حيث كيفية إجراء هذا الأصل ومسالكه في التطبيق، وكذا طرق التوصل إلى معرفة

المآلات، وتوقع نتائج الأفعال.

أما مسالك إعمال أصل "اعتبار المآل " فتتمثل في القواعد الأصولية الآتية: سد الذرائع - الاستحسان - مراعاة الخلاف على أنّه ـ ومن خلال التطبيقات ـ قد ظهر هذا الإعمال بقوّة في قاعدة سد الذرائع، ثمّ تليها قاعدتا الاستحسان ومراعاة الخلاف.

وقد حاولت دراسة هذه الأدلّة التبعية في هذا المبحث قصد إظهار أهميتها، وبيان أثرها في تنزيل الأحكام، وكذا حاجة المجتهد إليها عند الإفتاء أو القضاء، باعتبارها من الأصول التي يقوم عليها منهج الاجتهاد التنزيلي، على غرار ما فعله الشاطبي في الموافقات. كما أردت بهذا الخروج عن النظرة المألوفة إلى هذه الأصول لدى دارس علم أصول الفقه، باعتبارها مجرّد أدلة اختلف فيها الفقهاء والأصوليون في مدى الاحتجاج بها، وأصول تميّزت بها كل مدرسة عند الأخرى، دون بيان ـ أحيانا ـ لأهميتها في الاجتهاد

(1) بيوض: المصدر السابق، 2/ 437 - 438.

:

(2) قال الإمام مالك في الموطأ من تظاهر من امرأته ثم مستها قبل أن يكفّر أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة. ويكف عنها حتى يكفر، ويستغفر الله». ينظر: 4/ 803.

{238)