منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٣٩الفصل الثالث:
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
المعاصر خاصة، حيث تتجلّى فيها مرونة الشريعة الإسلامية، وصلاحيتها لكلّ زمان ومكان. وأما بالنسبة إلى طرق التوصل إلى معرفة المآل عند الشيخ بيوض فتتمثل في أمرين هما::أولا فقه الواقع الذي يقوم أساسا على المشاهدة والتجربة، وهذا ظاهر في مثال وصية القائمين
(1)
بشؤون الدفن، حيث منعها بناءً على ما شاهده من مفاسد ترتبت عليها في الواقع، وعايشها بنفسه كما أنه أفتى بإبطال الوقف على الذرّية بعد وفاة الواقف، وردّه إلى الميراث ليقسم بالعدل بين جميع الورثة وفق فريضة الله، خاصة ما كان وقفا على الأولاد الذكور دون الإناث. وكان أخذه بهذا الرأي نتيجةً لما شاهده في الواقع، مما آلت إليه هذه الأوقاف من إيقاع العداوة والبغضاء بين الورثة، حيث يقول: «وقد حكم عندنا مرارا بإبطال هذه الأوقاف على الذرّية، وردّها إلى ميراث يقسم على جميع الورثة ( … ) لما أحدثته هذه الأوقاف من فتن وشقاق ومنازعات بين أحفاد الواقف، أدّت إلى عداوات وبغضاء وقطيعة رحم عشرات السنين ( … )، ولقد بلونا من هذا الشيء الكثير، ولم نسلم منه إلا بإبطال الأوقاف الجائرة والنهي عن تجديد مثلها» (2).
ثانيا: فقه السنن الكونية: ويُقصد بها أساسا سنن الله تعالى في الأنفس والمجتمعات، وهذا الفقه مما يحتاج إليه كل من له دور في قيادة الأمة، سواء كان داعية أو مصلحا أو مفتيا، وتعظم الحاجة إليه في هذا العصر خاصة.
أما بالنسبة للمفتي فتتمثل حاجته إليه عند دراسة الواقعة، وتوقع نتائج التطبيق، حتى ينزل عليها الحكم المناسب لمقاصد الشارع، سواء كان بالجواز أو المنع.
ونجد الشيخ بيوض ينبه إلى دور معرفة السنن في تقدير مآلات الأفعال بقوله: «هناك أحداث و تصرُّفات يقصر فيها نظر بعض الفقهاء على مقدار الفساد فقط، وهذا لا يجوز. ولكن انظر إلى ما يأتي بعد هذا الفساد، إنَّ وراء هذا الفساد صلاحا. فإذا تحقق هذا وكان طريقا معتادا بحسب سنن الله في الأكوان، ولم يكن عبثا أو طريقا غير مسلوكة، فلك أن تفسد الملايين، وتقطعها، أو تحرقها لتعطي لك أضعافها ( … )، فكلُّ خسارة كانت في الطُّرق المسنونة وتؤدّي إلى نتيجة صالحة فهي مشروعة» (3).
(1) ينظر في رحاب القرآن 172/ 17
(2) الفتاوي، 2/ 580 - 581.
(3) المصدر السابق، 334/ 2
﴿239﴾