منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٤٠

الفصل الثالث:

ومن

منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح

الملاحظ أنّ هذا الفقه مُدعّم لفقه الواقع، وذلك من حيث التوصل إلى الإدراك الصحيح للظواهر، وتوقع نتائجها، مادامت هذه السنن عبارة عن قوانين تتحكّم في أفعال البشر، وتخضع لها سلوكاتهم وأحوالهم أفرادا وأمما وجماعات كما تتأكّد ضرورة وعي المجتهد بهذه السنن كلّما تعقدت القضايا، وتشابكت الأحداث، وانتقلت من البسيط إلى المركب، وتعلّق الحكم الشرعي بمصير الجماعة

والأمة.

المطلب الثالث: الموازنة بين المصالح والمفاسد

إذا كانت أحكام الشريعة متعلقة بمصالح العباد، بما تقرّر أنّ قصد الشارع من التشريع حفظ مصالحهم في العاجل والآجل؛ فإنّه لابد على المجتهد الناظر في الأحكام مراعاة مقاصدها في أفعال المكلفين، عند التنزيل، على غرار لزوم ذلك في مرحلة الفهم والاستنباط، وإلا لم تجر تكاليف الشريعة على وفق مرادات الشارع، وفتح ذلك بابا للطعن في الدين والازدراء بشريعة الله من قبل المغرضين وذوي النفوس الضعيفة.

غير أنّ المصالح والمفاسد ليست على وزان واحد في نظر الشارع، فالواجبات أوكد من المندوبات، وكبائر المعاصي أشدّ مقتا من الصغائر وفي هذا يقول ابن عبد السلام: «المصالح والمفاسد في رتب متفاوتة، وعلى رتب المصالح تترتب الفضائل في الدنيا والأجور في العقبى، وعلى رتب المفاسد تترتب الصغائر والكبائر وعقوبات الدنيا والآخرة» ()؛ لأجل هذا سعى العلماء إلى بيان رتب المصالح والمفاسد بتقسيمها إلى: ضروريات، وحاجيات، وتحسينيات، وتقعيد العلاقة بينها (2)، وكذا محاولة الترتيب بين الكليات الخمس الدين، النفس، العقل، النسل، المال).

العمل،

لذلك وجب على المجتهد الموازنة بين المفاسد والمصالح عند التعارض، واعتبار الجهة الراجحة في فتُجلَبُ أعظمُ المصلحتين بتفويت أدناهما، وتُدرَأُ أشدُّ المفسدتين بارتكاب أدناهما. وهذا المنهاج جارٍ على أصول الشريعة وقواعدها)، كما أنه نظر مستقيم على ميزان العقل ومتفق عليه بين ذوي الفطر

(1) القواعد الكبرى، 41/ 1 - 42.

(2) كما فعل الشاطبي في الموافقات، حيث عقد المسألة الرابعة من النوع الأول في كتاب المقاصد لبيان أوجه الترابط بين هذه المراتب الثلاث وعلاقة التأثير والتأثر. ينظر: الموافقات، 2/ 31 وما بعدها). القواعد التي قررها الفقهاء في هذا المجال: «الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف»، «يختار أهون الشرين» أو «أخف الضررين»، إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما».

(3)

من

(240)