منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٤٢

الفصل الثالث:

الموازنة بين المصالح

(1)

منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح

قد تتعارض مصلحتان شرعيتان، حيث يتعذر الجمع بينهما، فيجب على المجتهد حينئذ تعيين الأرجح منها؛ لما عُلِم من أنّ الجهة الراجحة هي المقصودة شرعا فتُجلب، أما الجهة المرجوحة فغير مقصودة بالاعتبار وفيما يلي بيان تطبيقات هذا النوع من التعارض عند الشيخ بيوض، مع محاولة استنتاج أوجه الترجيح ومعايير التغليب:

1 - سأل الشيخ أحدهم عن موقفه اتجاه والده الذي يمنعه من مواصلة التعلّم، فأجابه قائلا: «عليك بطاعة أبيك، ولا يجوز لك أن تعصيه وتذهب إلى التعلّم وهو يمنعك (2).

فالشيخ يرى تقديم طاعة الأب وبره على مزاولة طلب العلم، إلا أنه استثنى العلم الواجب وجوبا عينيا، فقال: «إلا إذا كان تعلّم فرض من فروض الله الواجبة على كل مكلف» (3)، فإنّه حينئذ مقدم على طاعة الأب؛ لأنّ طاعة الله في هذا العلم الواجب أولى من طاعة الأب في الامتناع عنه، كما أن تحصيله هو من واجبات الوالد نحو ولده، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم: 6). لكن عند العودة إلى مبادئ الشيخ في الإصلاح، وإلى أهداف نهضته الإصلاحية، نجد أنه كان يدعو بقوّة إلى محاربة الجهل والأميّة، وذلك بتعميم التعليم وتطوير أساليبه، والبلوغ به أعلى الدرجات، وفي هذا يقول: «يجب أن نقضي على الجهل والأميّة في الأمة، ونسرع السير في طريق العلم لنصل الغاية البعيدة التي يوجبها علينا عصرنا. نحن لا نطلب الوصول في العلم والتقدّم درجة عصر مضى فحسب، فغايتنا وغرضنا أسمى من ذلك، نريد أن نقطع مسافات في العلم شاسعة، نريد أن نعمم العلم في جميع طبقات الأمة ( … ) حتى يرتفع عنا الجهل عموما، ويكون لنا علماء مبرزون في جميع فروع العلم، وتكون العامة كلّها متعلّمة مثقفة» (4)

أما بخصوص تحريض الآباء على دفع أبنائهم إلى التعليم ودعمهم ماديا ومعنويا، فيقول: «وأيّ

(1) ينظر: الشاطبي: الموافقات، 52/ 2 - 53.

(2) الفتاوى، 611/ 2.

(3) المصدر نفسه.

(4) دبوز اعلام الإصلاح، 141/ 4.

242}