منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٤٣

الفصل الثالث:

منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح

عمل أصلح وأنفع من ولد عالم صالح عامل، إنّه لا صلاح مع الجهل ( … )، مُدّوا في أعمار هؤلاء الأبناء النجباء في العلم، إنّ جريمة من يقطع ولده عن العلم أعظم من جريمة قاطع الطريق» (1).

إذن، ففي أوائل أربعينيات القرن العشرين كان موقفه واضحا إزاء التعليم، وخاصة ما يتعلّق هنا بحث الآباء على دعم أبنائهم في طريق العلم؛ لذلك فالتساؤل المطروح هو ما سبب ترجيح الشيخ بيوض طاعة الوالد على مواصلة الابن تعلّمه في هذه المسألة؟ أمرتبة برّ الوالدين أعظم من طلب العلم عموما؟ وهل يعد هذا تراجعا منه عن مبادئه الأولى، نظرا لاختلاف الزمان، وتبدل الأحوال (2)؟ أم أنّ هذه قضية خاصة بالسائل، فلا يمكن تعميمها، ولا أن نستنج منها موقفا عاما للشيخ إزاء هذا الموضوع؟

إنّ ورود السؤال بصورة موجزة، مع الاختصار في الفتوى يتعذر معه العلم ببعض تفاصيل المسألة: كالسبب الذي دعا إلى منع الوالد ولده من مواصلة التعلّم، وكذا نوع العلم الذي منع منه الابن، إلى غير ذلك من التفاصيل؛ لذلك فعدم الإحاطة بظروف القضية وملابساتها يحول دون التوصل إلى أوجه ترجيحه مصلحة بر الوالد على مصلحة تعلم الولد.

كما أنّ كلاً من المصلحتين لها وجه اعتبار قوي في الشرع، فالله تعالى قرن طاعته بالإحسان إلى الوالدين (3)، وعد عقوقهما من أكبر الكبائر (4)، أضف إلى ذلك أن البر واجب عيني على كلّ مكلّف؛ أمّا طلب العلم فهو أوّل ما نزل من التكاليف في القرآن الكريم في قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} (العلق:01)، كما أنه فرض كفائي على مجموع الأمة - وهذا في غير ما وجب تعلمه شرعا، والعلوم تتفاوت بحسب موضوعها، والحاجة إليها باعتبار الزمان والمكان، كما أنّ العلم هو من أسباب نهضة الأمة وقوّتها، ودوام عزّها كما هو معلوم؛ لذلك فالنظر في مثل هذه المسألة خاص، تتحكم فيه عدة متغيّرات.

(1) المصدر نفسه، 4/ 126 - 127.

يلاحظ في هذا النص نوع مبالغة في وصف جريمة فصل الوالد ولده عن التعلم، ومن الجدير بالذكر أن أصل هذا النص خطاب ألقاه الشيخ بيوض في مدينة العطف بولاية غرداية أيام انتشار حركته الإصلاحية، ولا يخفى وجود نوع من الحماس الدعوي في الخطاب بغية تعزيز مبادئ الحركة في نفوس المستمعين، وتقوية رابطة أنصارها. (2) القضية التي سئل عنها آنفا كانت في سنة 1976 م.

(4)

من

(3) من ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: 23). ذلك قول الرسول: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر». قلنا بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين». (صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر، رقم: 5631، 5/ 2229، واللفظ له. صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب بيان الكبائر وأكبرها، رقم: 269، 64/ 1).

(243)