منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٤٤منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
الفصل الثالث: يقول بشير جحيش: ونسبة المصلحة والمفسدة ليست مطّردة في الفعل بل مختلفة ومتغيرة بحسب الأفعال، ولاعتبار اختلاف الزمان والمكان والشخص دور بارز في الموازنة بين النفع والضرر. فقد تتحقق مصلحة الشارع في فعل من الأفعال في إطار زماني ومكاني ما، في حين يرتفع هذا التحقق إذا اختلف هذا الوضع ويؤول الأمر إلى مفسدة» (1).
-2 سئل الشيخ عن مصير مال جهل أصحابه، وعن سُبُل إنفاقه؟ فأجاب على مقتضى قاعدة: "كلُّ مال جهل ربه فسبيله الفقراء والمساكين)؛ حيث أفتى بأن يُصرف هذا المال على مدارس التعليم القرآني، على ألا يُهمل جانب الفقراء والمساكين، فيجعل لهم منه حظ لحاجاتهم الضرورية» (3).
فالمال الذي جُهل ربّه يُنفَق في أوجه الخير ومصالح المسلمين عموما، وقد ذهب الشيخ في هذه المسألة إلى تقديم مصلحة مشاريع التعليم الديني على مصلحة الفقراء والمساكين، مع اعتبار الحاجات الضرورية لهذه الفئة، محاولا في ذلك الجمع بين المصلحتين، لكن مع تغليب واحدة على الأخرى. وبالمقارنة بين المصلحتين يمكن بيان أوجه الترجيح وفق ما يلي:
إن السبيلين قد تساويا في الحق تجاه ذلك المال المجهول؛ حيث إنّهما من أوجه الخير التي قرّر الفقهاء
صرف الأموال مجهولة المالك إليها)، غير أنهما يختلفان من وجوه أخرى هي:
إن حاجة المدارس القرآنية إلى ذلك المال أكبر من حاجة الفقراء والمساكين إليها، حيث إنّ هذه الفئة قد اعتبر فيها الشيخ بيوض تلبية حاجاتهم الضرورية، فما زاد عن ذلك فهو على سبيل التوسعة والتيسير، في حين أنّ المدارس القرآنية يمكن أن تبلغ بها الحاجة إلى مرتبة الضروري في بعض الأحوال؛ نظرا لكثرة حاجاتها من إعداد قاعات الدرس، وتوفير وسائل التعليم المختلفة، وكذا رواتب المعلمين، هذا مع اعتبار أمرٍ آخر ذكره الشيخ، هو أن أكثر من ينتفع بهذه المدارس التي تعلّم
القرآن وعلومه هم الفقراء والمساكين
(1) الاجتهاد التنزيلي، ص 100.
(5)
(2) ينظر: بيوض: الفتاوى، 667/ 2. وكثيرا ما كان يُعمل هذه القاعدة في الفتوى ينظر المصدر نفسه، 2/ 467، 520،
670
(3) المصدر نفسه، 667/ 2.
(4) ينظر: ابن تيمية: مجموع الفتاوى 144/ 29. الخليلي: الفتاوى الكتاب الرابع، ص 6463. التويجري: محمد بن إبراهيم: موسوعة الفقه الإسلامي، ط 1، بيت الأفكار الدولية، د. م 1430 هـ-2009 م، 2/ 309 - 310. (5) ينظر بيوض المصدر السابق، 667/ 2.
(244)