منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٤٥الفصل الثالث:
—
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
أما بالنظر من حيث نوع المصلحة؛ فإنّ مصلحة الفقراء والمساكين تندرج ضمن كلية حفظ النفس، أما المصلحة الأخرى فتندرج تحت كلّيّتين هما: الدين والعقل؛ أما الدين فمن حيث غرسُ المبادئ والقيم الإسلامية في نفوسهم، وتحصينهم من مظاهر الانحلال والتسيب، وأما العقل فمن حيث تنمية عقولهم وصقلها بالعلوم والمعارف، على أن قوة هذه المصلحة تتأثر على حسب الحال والزمان. - أما باعتبار عموم المصلحة وخصوصها فإنّ مصلحة الفقراء والمساكين خاصة تتعلّق بالأعيان، أمّا المصلحة الأخرى فهي عامة تعود بالنفع على عموم أفراد الأمة.
- وبالنظر من حيث الامتداد الزمني، فإن مصلحة المدارس القرآنية تتنامى ويمتد أثرها على خط الزمن، مادامت قائمة، ومحافظة على كيانها، بخلاف مصلحة الفقراء والمساكين فهي محدودة الأثر. يقول الريسوني: إذا تعارضت مصلحتان إحداهما لها وجود زمني محدود، والأخرى لها امتداد طويل وأثر بعيد، قدّمت الثانية، ولو كانت الأولى أكبر منها في أول الأمر. بل يتحتم ـ عند الموازنة ـ البحث والنظر في الامتداد الزمني لكلّ منهما، وتقدير مداه وحجمه ونوعه، ولا يكون التغليب سديدا بين المصالح إلا بهذا» (1).
إذن، فقد ترجّحت هذه المصلحة وفق المعايير الآتية: رتبة المصلحة (حاجي-ضروري)، نوعها (الدين والعقل)، مقدارها (عامة)، امتدادها الزمني (متنامية غير محدودة).
ولا يخفى أثر فقه الواقع، والتجربة الشخصية في إدراك قوّة المصلحة وأبعادها في المجتمع، فإنّ الشيخ بيوض ممن خبر ميدان التربية والتعليم وسبر أغواره، مدّة غير يسيرة من الزمن؛ ذلك أنّ من أسس التنزيل السديد للأحكام الفقة بالواقع والعلم بملابساته ومتغيّراته، وربط ذلك بمقاصد التشريع، ثم ينظر المجتهد في الحكم المناسب المفضي إلى مقصده الشرعي.
ب. الموازنة بين المفاسد:
إذا تزاحمت مفسدتان، حيث يتعذر درؤهما معًا، يُصار إلى قاعدة ارتكاب أخف الضررين"،
(2) "
أو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما)، لكن يبقى الاجتهاد في تعيين الأخف من الأشدّ، وهو محل النظر والبحث المستمرّ؛ لأنّه يقوم عليه تطبيق الشريعة في دنيا الناس، وتحقيق مقاصدها في الواقع المتغيّر.
(1) نظرية التقريب والتغليب، ص 366.
:
(2) السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي الأشباه والنظائر، ط 1، دار الكتب العلمية، د. م، 1411 هـ- 1991 م، 1/ 45.
(245)