منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٤٦

الفصل الثالث:

منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح

ولهذا النوع من الفقه أصل في القرآن، يتمثل في قصة سيدنا موسى عليه السلام مع العبد الصالح؛ حيث إنّ ما قام به من الأعمال تتنزل على هذا الأصل؛ من ذلك إقدامه على خرق السفينة وهو مفسدة صغيرة

مقابل دفع مفسدة أعظم منها، وهو فواتها بالغصب من أيدي المساكين بالكل، وكذلك ما فعل بالغلام. وقد أشار الشيخ بيوض إلى هذا الأصل في معرض بيان الأحكام المستفادة من القصة بقوله: يستنبط منها حكم عام يدخل في جميع تصرفاتنا وحياتنا، وهو ما يعبر عنه الفقهاء بارتكاب أخف

الضررين؛ يُقبل فساد صغير إذا كان يوصل إلى دفع فسادٍ كبير ( … ). فإذا تعلقت منفعة أو مصلحة بشيء بحيث لا يمكن الوصول إليها إلا بهذا الفساد، وبحيث كان النفع المرجوّ والمصلحة المتوقعة أكثر من الفساد الذي تقوم به جاز هذا» (1).

كما بين قيام حياة الإنسان على هذا الفقه، ونوّه بدوره في حلّ القضايا الاجتماعية، حيث يقول: «هذا أصل عام في كلِّ تصرُّفاتنا الشَّخصيَّة والماديَّة، من الهدم والبناء، ومن الخرق والكسر، إلى غير ذلك ( … ) هذا الفقه ينفعنا في المسائل التي يتردد الإنسان في الإقدام عليها، ويعطينا ضوءًا للتفقه في الدين، في أموالنا، وأموال اليتامى والأرامل، وأموال الأوقاف وكلّ ما وُكَّلنا عليه

يستفاد

(2)

من هذا حقيقة وعي الشيخ بهذا الأصل المقاصدي، ومدى اندراجه في كافة مجالات حياة الإنسان؛ لأنّه مقتضى الحكمة، وما جُبلت عليه العقول السليمة من قِبَل خالقها، يقول الشيخ: «ليس الطَّريق الحكيم هو التوقف عن الإصلاح، لأنه يأتي عن طريق الفساد، لا؛ لأنَّ الفساد الذي يوصل إلى الصَّلاح يعتبر من أوَّل مَرَّة صلاحا في كلِّ شيء» (3)

إذن، فالشيخ بيوض يرى أن المفسدة المرجوحة لا تعد مفسدة في نظر الشرع؛ ذلك أنّ الأمر يؤول في حقيقته إلى جلب مصلحة أعظم وهو درء المفسدة الكبرى المعتبرة شرعا، وفي هذا يقول الشاطبي: «وعلى كل تقدير؛ فالذي تلخص من ذلك أنّ الجهة المرجوحة غير مقصودة الاعتبار شرعا عند اجتماعها مع الجهة الراجحة، إذ لو كانت مقصودة للشارع لاجتمع الأمر والنهي معا على الفعل الواحد؛ فكان تكليفا بما لا يطاق» (4)

(1) في رحاب القرآن، 2/ 332 - 333

(2) المصدر نفسه، 2/ 333 (3) المصدر نفسه، 2/ 335

(4) الموافقات، 2/ 53.

246}