منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٤٧الفصل الثالث:
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
وتطبيقا على هذا الأصل عند الشيخ بيوض، نعرض بعض الاجتهادات التي بناها على قاعدة
الموازنة بين المفاسد مع بيان أوجه التغليب:
1 - سئل الشيخ عن حكم صوم الطبيب إذا اضطرّ إلى النظر إلى العورة ولمسها عند المعالجة، فأجاب بقوله: «إذا اقتضت ضرورة معالجة الأمراض أو ضرورة تنجية النفوس من الهلاك بغرق، أو حرق، أو هدم، أو نحو ذلك، لمس العورة أو النظر إليها لم يضرّ ذلك المباشر للتنجية والعلاج في دينه، ولا ينهدم بذلك صومه بل لا يجوز له أن يمتنع من التنجية لما يضطر إليه من ذلك محافظة على صيامه» (1).
ففي هذه المسألة اجتمعت مفسدتان: الأولى النظر إلى العورة أو لمسها، والثانية: هلاك النفس بالمرض وغيره، وحيث لا يمكن درؤهما معا؛ حَكَم الشيخ بارتكاب مفسدة النظر من أجل درء مفسدة فوات النفس.
2 - كما ذكر الشيخ أيضا ــ في أحد دروس التفسير - أنّ المرأة إذا اضطرت إلى تنجية نفسها من أيّ خطر أحاط بها، أو إنقاذ نفس ـ كصبي ـ أشرف على الهلاك، ولم تجد خمارا تحتجب به؛ فإنّه يجب عليها في ذلك الحين المسارعة لإنقاذ نفسها أو غيرها، بل يحرم عليها البحث عن الخمار إذا أدّى ذلك إلى الهلاك (2). فالمرأة هنا وقعت بين مفسدتين؛ إما كشف العورة، وإمّا هلاك النفس، وكان رأي الشيخ واضحا في
هذه المسألة كسابقتها، حيث قدّم الثانية على الأولى.
وبالنظر في المثالين السابقين يمكن عقد مقارنة بين المفسدتين للتوصل إلى أوجه الترجيح:
- أما من حيث نوع المفسدة؛ فإنّ حرمة النظر إلى العورة وكشفها يندرج تحت كلية حفظ النسل، أمّا حرمة هلاك النفس فيندرج في كلية حفظ النفس، ومعلوم أنّ حفظ النفس مقدم على حفظ النسل. ومن حيث مرتبتها، فإنّ حرمة النظر إلى العورات وكشفها تحسيني)، أما حرمة الإضرار بالنفس وتفويتها حكم ضروري)، والضروري مقدم على التحسيني بإطلاق.
(4) w
من خلال هذه المقارنة تبيّن أولوية درء مفسدة هلاك النفس على درء مفسدة كشف العورة؛ لأنّ
من
(1) الفتاوى، 295/ 1.
(2) ينظر: بيوض: في رحاب القرآن، 607/ 12 - 608.
(3) ينظر: الشاطبي: الموافقات، 20/ 4.
(4) الغزالي: شفاء الغليل، ص 162. الشاطبي: المصدر السابق، 16/ 4 - 17.
247)