منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٥٢الفصل الثالث:
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
- ثانيا: وإن كان الشاب يخاف على نفسه الضرر من تأخير الزواج، فإنّ تقديمه أولى؛ لأنّ وجوب الحج
ليس على الفور
(1)
يلاحظ في هذه الحالة تعارض مصلحة أداء الحجّ مع مفسدة تأخير الزواج، فغلب الشيخ بيوض جانب المفسدة على المصلحة لما يلي:
إن حكم الزواج في هذه الحالة ارتقى إلى الوجوب، بل هو على الفور أيضا، متى تحققت الاستطاعة. إلا أنّ مفسدة تأخير الزواج متعلّقة بضروري وهو حفظ النسل، في حين أن مصلحة أداء الحج متعلّقة بضروري أيضا وهو حفظ الدين والدين مقدَّم على النسل في الترتيب بين الكليات، فلماذا قدم الشيخ بيوض حفظ النسل في هذه الحالة إذن؟!
إن الاجتهاد النظري يقضي بترجيح حفظ الدين على حفظ النسل ما دام الحكمان في نفس المرتبة (الضروريات)، إلا أنه قد تظهر أثناء التطبيق معايير أخرى يجب مراعاتها عند الترجيح، ولا يُجرى ذلك الأصل النظري في كل الأحكام، لذا لا يصح مراعاته بإطلاق
(2)
أما وجه تقديم رتبة الحكم"؛ حيث إنّ الزواج واجب على الفور في تلك الحال، بينما فرْضُ الحج واجب على التراخي كما
كلية حفظ النسل على حفظ الدين في هذه المسألة، فكان مراعاة لمعيار آخر وهو
ذهب إليه الشيخ بيوض.
كما أنّ هناك معيارا آخر في التغليب وهو "النظر في المآل "؛ ذلك أنّ الزواج يترتب على تأخيره الوقوع في الحرام، وهو مفسدة اتفاقا، بينما لا يترتب على تأخير الحجّ إثم؛ لأنّ وجوبه على التراخي، ولو قدر حدوث فقدان المكلف الاستطاعة فيما بعد، أو موته قبل أداء الفرض، فلا يعتبر حينئذ آثما لعدم علمه بالعاقبة، في حين أن تأخير الزواج معلوم العاقبة لدى المكلّف وهو ارتكاب الحرام؛ لذلك وجب عليه درء تلك المفسدة. والخلاصة أنّ ما يترتب على تأخيره مفسدة محققة أولى في الأداء مما لا يترتب عليه ذلك، والله
أعلم.
وبهذا يتبيّن أنّ ترتيب الكليات الخمس ليس معيارا للترجيح بإطلاق، بل يجب النظر في كل واقعة
(1) ينظر: المصدر نفسه.
(2) لهذا يمكن القول إنه لا يصح ما ذهب إليه محمد الوكيلي في كتابه «فقه الأولويات»؛ حيث اعتبر أن التغليب في هذه الحالة يكون وفق الترتيب المعهود للكليات الخمس دون استثناء. ينظر: فقه الأولويات، ص 226.
﴿252﴾