منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٥٨الفصل الثالث:
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
غير أننا نجده في صورة أخرى سابقة على هذه زمانا يفتي السائل عن اللباس الإفرنجي بقوله: «يجوز لك أن تلبس في وقت الخدمة والعمل كلّ ما يناسب الخدمة ما لم يكن فيه كشف العورة، وأمّا في غير وقت العمل فلا ينبغي لك أن تلبس ما يصف العورات بضيقه» (1).
فهو هنا فرّق بين وقت العمل وغيره، واعتبره سببا للترخيص في ذلك النوع من اللباس، وأما خارج وقت العمل فنهاه عنه بقوله فلا ينبغي، نظرا لما فيه من توصيف للعورة.
غير أنّ في هذه العبارة نوع غموض؛ فهل نهيه يُحمل على الإرشاد والعمل بالأولى، أم يُحمل على
التحريم؟ أما القول بالتحريم فإنّه مناقض لرأيه السابق، ولأصله المتمثل في إرجاع أمر اللباس إلى العرف. وإنْ كان يرى التحريم الصريح في هذا النوع من اللباس لصرّح بذلك كما هي عادته في فتاويه، ولما رخص فيه بسبب العمل، لهذا يبدو أن قوله فلا ينبغي مراد به الكراهة، كما أراد حمل المستفتي على الأولى والأحوط.
2 - النوع الثاني:
وهو العرف العملي المتعلّق بالمعاملات المدنية، والمراد بالمعاملات المدنية «التصرفات التي يُقصد منها إنشاء الحقوق بين الناس، أو تصفيتها وإسقاطها» (2)، وذلك كالبيوع، والنكاح، والطلاق،
والوكالة .. الخ.
وإنّ الناظر في مسائل الفقه الإسلامي يجد أنّ هذا النوع من العرف له سلطان في تقدير الأحكام،
و تقييد آثار العقود، وكذا تحديد الالتزامات على وفق المتعارف عليه بين الناس، ما لم يصادِم نصا شرعيا. بل إن الفقهاء قرّروا كثيرا من الأحكام بناءً على العرف، كما أحالوا تفاصيل بعض منها إلى تقديره)، (3)، مراعاةً لتغيّر الأزمان والأمكنة والأشخاص؛ لذلك صاغوا جملة من القواعد الفقهيّة في هذا الباب، كقاعدة: التعيين بالعرف كالتعيين بالنص (4)، وقاعدة: «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» (5).
هذا، وتماشيا مع روح المنظومة الفقهية نجد الشيخ بيوض يراعي في آرائه وفتاويه هذا النوع من
(1) المصدر نفسه، 646 - 647. الزرقا: المدخل الفقهي العام، 877/ 2.
(3)
ينظر: المرجع نفسه، 2/ 883، 888. (4) الزرقا (أحمد): شرح القواعد الفقهية، ص 241. (5) المرجع نفسه، ص 237.:
{258)