منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٦٠))
الفصل الثالث:
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
الشرعي يتبع ذلك في القول بالجواز من عدمه. ويعطي الشيخ لهذا مثالا واقعيا فيقول: «فمثلاً شخص يحمل إناء تمر فسقطت منه تمرة أو تمرتان ولم يشعر، ثم قيل له: لقد سقطت منك تمرتان، فإنّه لا يعود إليهما، مِثْل هذه اللقطة مال ضائع، خُذْهُ ولك أجر الحفاظ على النعمة» (1).
ويلاحظ في هذا المثال إعمال الشيخ بيوض للقاعدة الفقهية: «العادة محكّمة» (2).
- وهذه صورة أخرى تتعلّق بأحكام الشركات، مفادها أن شخصا هو شريك مع ورثة في عقار يكرونه، حيث يُعتبر هو الوكيل، والقائم بشؤون العقار. فتضمنت فتوى الشيخ بيان الوجه الشرعي في التعامل بين الورثة والوكيل في ريع هذا العقار، وأما ما يتعلّق بتقسيم الربح فصرّح بأنّ العرف الذي يجري به العمل أنّ ذلك يكون على رأس العام (3).
لكن إن احتاج الورثة إلى المال أثناء العام، فهل لهم الحق أن يطلبوا مما لهم عنده؟ وقد كان جواب الشيخ كالآتي: «لكنّهم إن احتاجوا أثناء العام، وطلبوا أن يدفع لهم مما عنده لهم، فلا يجوز أن يمنعهم منه، هذا هو العرف المعتاد في مثل هذه الحال والشرع يعتمد على العرف في أحكامه» (4).
فنرى أن الشيخ بنى الحكم الشرعي في هذه القضية على العرف، لكونه محكّما شرعًا في مثل هذه المعاملات، فصار «المعروف عرفا كالمشروط شرطا»، كما أنّ المسلمين عند شروطهم.
بهذا يتبيّن لزوم معرفة المفتي بعرف بلده، وبلد المستفتي، ولا يجمد على نصوص الفقهاء، بل يكون مميزا بين ما هو ثابت، وبين ما هو متغيّر بتبدّل الأعراف والأحوال والأزمنة، وهذا أمر يندرج في أصل تحقيق المناط الذي سبق بيانه
هذا، وإنْ أهمل المفتي هذا المنهج في الفتوى أجرى الأحكام على خلاف مقاصدها، وأوقع المكلفين في الحرج والمشقة، وكان ذلك مطية لردّ أحكام الشريعة والازدراء بدين الله من قبل الأعداء والمغرضين. وقد حذر العلماء الأعلام من خطر هذا الإهمال، وأثره في الدين، فيقول القرافي ناصحا أهل الفتوى: وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على طول الأيام، فمهما تجدّد في العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا
(1) بيوض إبراهيم أوجه من الكسب الحرام إعداد وتخريج قاسم العنق بحث التخرج معهد الحياة، القرارة-غرداية، 1419 هـ - 1998 م، ص 11.
(2) ينظر: في المصدر نفسه إعمال الشيخ لهذه القاعدة في صور من المعاملات بين الناس، ص: 37 - 38، 41، 46. (3) ينظر: بيوض: الفتاوى، 2/ 557 - 558. (4) المصدر نفسه، 558/ 2
﴿260﴾