منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٦٥

الفصل الثالث:

منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح

باعتبار أن الجمع بين الدليلين أولى من إهمال أحدهما بالنسخ أو الترجيح، كما أنّ الأصل في الأدلة الإعمال.

أما الدليل على هذا فأمور هي:

أولا: قوله السابق: «وآيات القرآن كُلُّهَا يصدق بعضها بعضا، وتتعاون على تقرير المعنى، وما كان حَقًّا لا يمكن أن يكون فيه تناقض، أو ما يُؤَدِّي إلى الاختلاف المطلق الذي لا يمكن أن يوجد إلى الجمع بين النصوص سبيل (1)، فصرح بأن الجمع أوّل طريق مزيل للتعارض بين نصوص الشارع.

هذا من جهة نصوص القرآن، أما من حيث نصوص السنة، فقد صرّح بأن العلماء قد لا يعملون

(2)

بالحديث إذا وجدوا لمتنه «ناسخا أو معارضا أقوى، ولم يهتدوا إلى الجمع سبيلا، وهذا دليل واضح على اعتباره الجمع مقدما على النسخ والترجيح عند التعارض.

ثانيا: إنّ هذا المنهج جارٍ على أصله في قضيّة النسخ؛ حيث يرى أنّ الأولى في النصوص الإحكام، أمّا النسخ فهو قليل جدا (3)، ومن تمام تقليل النسخ الجمع بين الأدلة المتعارضة بأي وجه من الوجوه ما أمكن. كما يردُّ على الذين يسارعون إلى النسخ بين الآيات المتعارضة بقوله: «كلا، فهذه كلها آيات محكمة وغير منسوخة كما يدعي بعض المتسرعين من الذين يعجزهم فهم الآيات، فيبدو لهم وكأنَّ هنالك تناقضا بينها أو نسخا، حتى إنهم قالوا: إنّ آية السيف نسخت سبعين آية في القرآن، وهذا باطل!.فالأصل في القرآن الإحكام» (4).

ثالثا: عند المقارنة بين الآراء والمذاهب، يختار الرأي الذي يُمكن فيه الجمع بين الأدلة، من ذلك: 1 - اختياره القول بالجمع بين قوله تعالى: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة: 256)، والآيات التي تأمر بقتال المشركين. ووجه الجمع عنده أنّ الأصل عدم إجبار الناس على اعتناق أي دين، مصداقا للآية السابقة، ولقوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُومِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرِ (الكهف:29)، يقول الشيخ: «والدين هو بين العبد وربه، وليس للبشر أن يُجبر بعضهم بعضا على دين، وَإِنَّا عليهم بالدعوة فقط) (5)، أما القتال فإنّما شرع لحماية الدعوة، ولمحاربة الذين يفتنون الناس بصدهم عن الإسلام، ومنعهم

(1) في رحاب القرآن 17/ 12

بيوض رسالة الإفطار، ص 227.

(3) ينظر في هذا البحث قضية النسخ عند الشيخ بيوض، ص 101.

(4) في رحاب القرآن، 251/ 13.

(5) المصدر نفسه، 576/ 14.

{265)