منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٦٧الفصل الثالث:
منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح
المقابلة بين أقوال الفقهاء، ونقد طرق استدلالهم عليها، ثم ترجيح الأقوى والأعدل في نظر الباحث. هذا، وإنّ المقارنة بين هذه الأقوال تتم على مستويين:
أما المستوى الأوّل فيكون داخل إطار المذهب الواحد، إذ يجتهد الفقيه المنتسب إلى تلك المدرسة في المقارنة بين آراء علمائها واجتهاداتهم، ثم اختيار الأقوى صلة بأصول المذهب وقواعده، أو المناسب لحال زمانه مراعاة للمصلحة.
وأما المستوى الثاني فيكون على نطاق أوسع؛ وذلك بالمقارنة بين آراء المدارس الفقهية الإسلامية المتعددة، فيرجح رأيًا منها بناءً على معايير وقواعد يتخذها ميزانا في الاختيار، وهذا النوع من الترجيح يظهر أساسا في البحث في القضايا المعاصرة المستجدة.
هذا، وإن الشيخ بيوض كان عالما يمثل إحدى مرجعيات المذهب الإباضي في زمانه، ومن علماء
(1)
الأمة الجزائرية على غرار الشيخ عبد الحميد بن باديس، والشيخ البشير الإبراهيمي. وغيرهما. وباعتباره كذلك يمكن تقسيم اجتهاداته في الترجيح على المستويين السابقين وذلك حسب
أولاً: ما كان على نطاق المذهب الواحد، وهو الأساس والأغلب.
ما يلي:
ثانيا: ما كان على مستوى المذاهب الفقهية، ويتمثل في اجتهاداته المعاصرة، كالإحرام من جدة بالنسبة للقادمين عبر الطائرة، والعمل بالحساب الفلكي وغير ذلك.
وإذا كان الواجب على المجتهد اختيار ما قوي، مُدْركه، وصح دليله، وغلب على ظنه أنه الصواب، فما هي معايير الترجيح عند الشيخ بيوض؟ وما هي مقاييس قوة الدليل وصحته؟
انطلاقا من تراث الشيخ بيوض نجد له نصا يبين فيه منهجه العام في الترجيح، حيث يقول: «وإذا اتسعَتْ أقوال الفقهاء وكثُرت في قضية واحدة، حتى تكون خمسة أقوال أو عشرة أقوال .. ، لا بأس بها، فيمكن أن ندرسها وأن نقلبها ونختار منها أوّلاً ما يكون أرجح وأصح دليلا وأقواه، ونختار من ورائه ما بعده ولو كان ضعيفا، إذا كانت طبيعة الوطن وبيئته وظروفه تقتضي التخفيف والتيسير
(1) محمد بن البشير الإبراهيمي (1306 هـ/ 1889 م - 1385 هـ/1965 م): عالم أديب، وكاتب بليغ، أحد رجال الإصلاح في العالم الإسلامي، كان رئيسا لجمعية العلماء المسلمين وعضوا في المجامع العلمية العربية في القاهرة ودمشق وبغداد، تولى مسؤولية تحرير جريدة «البصائر». من آثاره: «عيون البصائر»، «الإطراد والشذوذ في اللغة»، «أرجوزة» في 36 ألف بيت، كما له مقالات كثيرة نشرت في الصحف العربية. نويهض: معجم أعلام الجزائر، ص 13). (2) بيوض روح الشريعة، ملتقى الفكر، 2/ 819.
﴿267﴾